الاستقلال في لبنان ليس مناسبة وطنية فحسب، بل هو سؤال سياسي وفلسفي يكشف المسافة التي تفصل بين فكرة الدولة كما ظهرت عام 1943 والواقع الذي نعيشه اليوم. فالاستقلال لم يولد من حدث خارجي أو من نتيجة صراع دولي، بل خرج أولاً من داخل المجتمع اللبناني نفسه. الجماعات اللبنانية، رغم اختلافاتها وقلقها المتبادل، وصلت في تلك اللحظة التأسيسية إلى قناعة مشتركة بأن بقاءها السياسي لا يتحقق داخل وصاية أجنبية ولا داخل مشروع وحدوي يبتلع خصوصيتها. لذلك كان استقلال لبنان، في جوهره، ثمرة اتفاق داخلي على أن القرار الوطني يجب أن يصبح ملك المجتمع اللبناني لا أداة بيد قوة خارجية، وأن الكيان المستقل هو الإطار الوحيد الذي يحمي هذا التنوع وينظّم تناقضاته.
في العلوم السياسية، الاستقلال ليس إعلاناً سياسياً ولا بياناً وطنياً، بل بنية متكاملة تتكوّن من سيادة داخلية وسيادة خارجية وشرعية وطنية. الدولة المستقلة هي تلك التي تحتكر العنف الشرعي، وتملك سلطة واحدة فوق أراضيها، وتتخذ قرار الحرب والسلم باسم مواطنيها. وهذا ما جعل استقلال لبنان في الأربعينات لحظة تأسيسية مكتملة؛ إذ اختار اللبنانيون، طوعاً، أن يكون لهم كيانهم السياسي الخاص وأن يُنتجوا شرعيتهم من داخل مجتمعهم لا من خارج حدوده.
لكن المسار الذي أعقب تلك اللحظة التأسيسية قاد تدريجياً إلى تفكيك معناها. فمع صعود منطق السلاح الموازي وتعاظم قدرة قوة داخلية على امتلاك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، بدأ مفهوم الاستقلال يفقد مضمونه النظري قبل أن يفقد تجسيده العملي. وجود حزب الله كقوة عسكرية – سياسية مرتبطة بمحور إقليمي لا يعكس إجماع اللبنانيين يشكّل خروجاً واضحاً عن الاتفاق الذي أنتج الاستقلال. فالاستقلال كان اتفاقاً على وحدة القرار، بينما الواقع الحالي يكرّس ازدواجية في السلطة، وشرعيتين تتنافسان داخل الدولة ذاتها، وحدوداً سياسية تتحرك وفق مصالح الخارج لا وفق خيارات المجتمع.
إن امتلاك ميليشيا لقدرة استخدام القوة متى تشاء، وشن حرب إسناد حين تريد، وفرض وقائع عسكرية وأمنية على العاصمة وعلى مؤسسات الدولة، لا يشكّل إشكالاً سياسياً عادياً، بل ضرباً مباشراً لمفهوم السيادة كما يعرّفه علم السياسة. الدولة التي لا تحتكر العنف الشرعي ليست دولة مستقلة مهما رفرفت الأعلام فوق مؤسساتها. والجيش الذي لا يملك وحده سلطة القرار العسكري هو جيش محروم من وظيفته التأسيسية. أما المجتمع الذي تُفرض عليه خيارات أمنية وسياسية لا تعكس إرادته، فهو مجتمع يعيش خارج شروط العقد الاجتماعي نفسه.
من هنا، يصبح الحديث عن الاستقلال اليوم أقرب إلى مراجعة نقدية لمفهوم الدولة أكثر مما هو احتفال بذكرى وطنية. نحن نعيش في كيان فقد أحد أهم شروطه النظرية: وحدة السلطة. ومعها فقد استقلاله كفكرة سياسية، قبل أن يفقدها كواقع جغرافي. لذلك لا يمكن أن نستعيد معنى الاستقلال ما لم نستعد الأسس التي قامت عليها الدولة: احتكار السلاح، وحدة القرار السياسي، والربط بين الشرعية ومصدرها الطبيعي أي إرادة المواطنين لا حسابات المحاور.
إن ما يحتاجه لبنان ليس تجديد مراسم الاحتفال، بل إعادة بناء المفهوم نفسه. فاستقلال الدولة لا يتحقق بالشعارات ولا بتكرار سردية 1943. بل يتحقق بإعادة تأسيس قواعد العمل السياسي، وبإنهاء حالة الازدواجية داخل مؤسسات الدولة، وبإعادة الاعتبار لفكرة أن المجتمع هو من ينتج سلطته، لا أن السلطة تُفرض عليه من خارج قراره. الاستقلال ليس ذكرى نعلّقها على الجدران، بل فعل مستمر لإبقاء الدولة حية، ولإبقاء هذا الاجتماع السياسي ممكناً في بلد تتعرض فيه السيادة للتمزيق من الداخل قبل الخارج.
فإمّا أن نعيد تأسيس استقلال حقيقي داخل دولة واحدة تحتكر شرعية العنف والسلطة والسلاح، وإمّا أن نتجه بصراحة نحو نظام جديد يعيد الاعتبار للجماعات الثقافية في لبنان ويضعنا أمام السؤال الجوهري الذي لم نجرؤ على مواجهته منذ عقود: أيّ لبنان نريد، وبأيّ شكل نريده؟