يطلّ عيد الاستقلال هذا العام على لبنان كجرس إنذار لا كعيد، هذا التاريخ الذي يفترض أن يختصر الكرامة والسيادة والحرية. لكنّ المفارقة المؤلمة يعود في بلد لم يعرف منذ عقود معنى الاستقلال الحقيقي، في بلد ما زال يقاتل ليحرّر نفسه من الفوضى والإنهيار، من السلاح المتفلّت، من عبودية أصحاب النفوذ، ومن الجوع والهجرة.
في هذا اليوم الذي يفترض أن يكون عيداً وطنياً، تتقاطع أحداث داخلية وإقليمية ودولية لتصنع مشهداً لبنانيًا غير مسبوق، وكأنّ لبنان يقف على عتبة مرحلة سياسية جديدة.
والمصادفة أنّ يوم الاستقلال هذا، يتقاطع مع تاريخ 22 من كل شهر، اليوم الذي يتوجه فيه اللبنانيون إلى القدّيس شربل، بحثًا عن الشفاء، والسلام وعن بصيص أمل، وكأنّ الروح وحدها ما زالت قادرة على أن تمنح هذا البلد الحياة.
ومع ذلك، تفرض السياسة نفسها على المشهد، وتأتي التطورات الأخيرة لتكشف حجم الصراع الخفي فوق الطاولة وتحتها، فلبنان دولة بلا قرار حاسم، تتقاذفها الرسائل الإقليمية والدولية، فيما السلطة تحاول إظهار نفسها وكأنها تستعيد السيطرة.
وفي خضمّ هذه الرمزية، جاء قبل ايام خبر القبض على نوح زعيتر، ليهزّ المشهد السياسي والأمني، وكأنّ البلد بدأ يفلت من يد الفوضى شيئًا فشيئًا، خطوةٌ بدت للكثيرين وكأنّها رسالة أمنية تقول.. الدولة قادرة إذا أرادت، والقانون موجود إذا قرر أن يستيقظ
فتوقيف نوح زعيتر لم يكن مجرد عملية أمنية بل رسالة سياسية موجّهة إلى الداخل قبل الخارج، مع أن الأسئلة انفجرت في الشارع حول نوح جبل بعلبك وهيبتها
هل تمّ تسليمه أم رُفع الغطاء عنه؟
وهل بدأت الدولة أخيراً تستعيد هيبتها من نوح وثنائيه؟
أم أن وسيم الأسد هو من قدّم المعلومات وبالتنسيق بين الجانب السوري واللبناني وتم القبض عليه؟
التوقيف جاء في لحظة حساسة بالتزامن مع عدة أحداث جرت، زيارة الرئيس إلى صور برفقة الجيش، الغاء زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، رسائل سياسية تتطاير بين بعبدا واليرزة، تحركات عربية ودولية في المنطقة، وقانون القنب الهندي ودور المطلوبين في المرحلة المقبلة.
فهل القبض على نوح هو بداية تراجع نفوذ الثنائي الشيعي، أم إعادة تموضع، أم جزءا من صفقة أكبر؟
نوح نفسه صرح بالسابق انّه لا يثق بالقضاء، في الوقت أن من كان يهيمن على الدولة بمفاصيلها وتفاصيلها هم الثنائي أي ربعه وأتباعه.
فالتوقيف لم يأتِ من فراغ، وهو بلا شك إشارة إلى اهتزاز توازنات كانت ثابتة لعقود
فهل رفع الغطاء عنه دليل على تغيير قواعد اللعبة داخل البيئة نفسها؟
أم إشارة بأنّ المرحلة القادمة لا تحتمل رموز قوة موازية للدولة؟
مع أن تشريع قانون زراعة القنب الهندي صدر منذ حوالي ال 5 سنوات ولكن بدأت بشاير تنفيذه منذ أشهر، فهل تنفيذ القانون أعاد ملف المطلوبين إلى الواجهة؟ وهل هو مقدّمة لعفوعام ومحاولة لدمج المطلوبين اقتصاديًا؟ أم توقيف نوح زعيتر جزءا من إعادة ضبط المشهد العشائري السياسي في البقاع؟
ملف كبير فتح والدولة تبدو في قلب معادلة ضخمة لن تعلن تفاصيلها فما حصل ليس تفصيلاً… بل زلزالا سياسيا
وفي خضمّ هذا المشهد المشتعل، فجّر القضاء اللبناني مفاجأة مدوية بإطلاق سراح هنيبال معمر القذافي بعد 10 سنوات من اعتقاله، اعتقال بدأ بخطفٍ خارج القانون، وانتهى بإخراجٍ صامت يشبه التسويات أكثر مما يشبه العدالة، فسقوط هذا الملف بعد عقد كامل يفتح الباب على أسئلة خطيرة.. لماذا أُبقي الرجل معتقلاً كل هذه المدة؟
كيف تحوّل هانيبال إلى ورقة مساومة سياسية بين أطراف داخلية وخارجية؟
ولماذا أطلق الآن تحديداً؟ ولصالح من ؟ وهل خو جزء من تبدّل موازين القوى في لبنان ؟
الإفراج لم يكن قرارًا قضائيًا بقدر ما بدا رسالة سياسية جديدة، بدأت تظهر مع توقيف نوح زعيتر وموجة تغييرات أمنية وسياسية، وتشي بأنّنا دخلنا مرحلة إعادة خلط الوراق وتموضع كبار اللاعبين في بلد كانت تُدار فيه منافذ الدولة بعقل الصفقات، لا بعقل القانون، فيصبح القضاء جزءًا من اللعبة أما اليوم ومع فخامته يبدو أنه أصبح هو الحكم فيها.
اما وبالحديث عن اختيار الرئيس زيارته لبلغاريا بدلا من واشنطن في هذا التوقيت، طرحت علامات استفهام كبيرة خاصة وظهور الرئيس السوري على طاولة واحدة مع دونالد ترامب في لقاء مفاجئ يزيد من تعقيد المشهد، وما وصلت اليه سوريا في أقل من سنة بعد انتخاب الشرع رئيسا لها بالمقابل ما هوعليه لبنان اليوم بالتوازي مع الفترة نفسها. ومن ثم زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وحفاوة الاستقبال التي قدّمها له ترامب حملت رسائل إلى العالم بأسره أن السعودية لاعب محوري، وملفات المنطقة تُعاد صياغتها
وبالإنتقال الى زيارة رئيس الجمهورية إلى صور وهو محاط بالجيش كانت إعلانًا واضحًا
ان المؤسسة العسكرية قادرة، إذا شُرّعت لها الأبواب، فالرسالة كانت موجّهة إلى الداخل، الجيش هو القوة الشرعية الوحيدة، وكل سلاح آخر هو تعدٍّ على الدولة في بلد تتوزّع فيه السيطرة الأمنية بين أطراف متنازعة، كانت الزيارة بمثابة استعادة شكلية لهيبة الدولة… حتى ولو لساعات قليلة.
فالمؤسسة العسكرية هي آخر ما تبقى من الشرعية لكنّ الرسالة المضادة جاءت سريعًا، إلغاء زيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة وهو ليس تفصيلاً تقنيًا بل رسالة سياسية عالية النبرة داخل السلطة وهي رسالة موجّهة للرئيس وبداية فصل جديد في علاقة الجيش مع القوى الدولية.
في كلا الحالات، الإلغاء كشف عمق التوتر بين لبنان وأميركا، وأظهر أن ملف الجيش والحزب أصبح جزءًا من صراع سياسي يتجاوز الحدود، خاصة وان مسار التفاوض حول وقف العدوان يزداد تعقيدًا في الوقت أن الأساس يبقى سؤالًا واحدًا.. هل حزب الله سيسلّم سلاحه؟
حتى الآن لا مؤشرات على ذلك، فالسلاح مرتبط بالملف الإيراني، وليس بالقرار اللبناني
وبالتالي، الحديث عن سلام أو تطبيع يبقى وهمًا سياسيًا ما لم تُحسم المعادلة الإقليمية الكبرى.
وفي النهاية وبعد عدة أيام، سيحل وهج الحبر الأعظم بركة على لبنان، هذه الزيارة التي تحمل بُعدًا سياسيًا بامتياز، لكن هل ستشكّل ضغطًا لإعادة فرض ملف حياد لبنان؟
أم ستكون مجرد محطة رمزية في بلد منهك؟
في عيد الاستقلال وبين زيارة البابا، وتطورات إسرائيل، وتوقيف نوح زعيتر، واطلاق سراح هنيبال القذافي، وتغيّر موازين القوى، وتحركات السلطة، وتحسينات اجتماعية واقتصادية صغيرة هنا وهناك… يعيش لبنان على حافة ولادة سياسية جديدة لكن الحقيقة تبقى واحدة
لا استقلال بلا دولة / ولا دولة بلا قرار / ولا قرار بلا سيادة
لبنان اليوم أمام فرصة ولو صغيرة ليستعيد بعضاً من روحه، بعضاً من قانونه، ويبدأ رحلة العودة إلى نفسه وحتى ذلك الحين يبقى اللبنانيون كما في كل 22 من الشهر، يرفعون صلواتهم ويقولون: يا مار شربل… خلي عينك على هالبلد