لا أتوانى عن القراءة: "الثقافة العربية-الإسلامية" في أكثر من كتاب عن الثقافة القديمة في هذه البلاد. بينما اجد في عنوان اكثر من كتاب لمحمد عابد الجابري: "العقل العربي"، وفي عناوين لمحمد اركون: "العقل الإسلامي". فماذا في الأمر؟
ما قام به الجابري أو أركون اجتهادٌ في النظر، واقتراحٌ في التعيين، بينما يجري، في التسمية الأولى، "تسوية" بين هذين العاملَين في تحديد الثقافة القديمة.
هذه التسميات الثلاث مربكة، وليست موافقة بالتمام والكمال. فأن تسمي الثقافة (او الحضارة، أو المجتمع وغيرها) بالعربية-الإسلامية، فإن هذه الشركة بينهما تفصل وتوصل في الوقت عينه. إلا أن الفصل والوصل يفترضان وجود معيار جامع للتفاضل بين العاملَين. ولكن كيف يمكن أن يكون هذا المعيار مشتركاً، فيما يتم الجمع بين عامل ديني وآخر لغوي (وثقافي)؟
هذا التباين (الذي تتم "تسويته") يَظهر جليا، ومؤكدا، عند الجابري: يجعل من العربية العامل الأساس، بوصفها لغة الدين ولغة الثقافة، واللغة التي جرى منها اشتقاق المفاهيم الناظمة للعقل.
كما يَظهر التباين عند أركون: يجعل من الدين الإسلامي العامل الأساس، بوصفه من نظّم حياة المسلمين وغيرهم (بين عرب وغير عرب، ومسلمين وغير مسلمين)، ووجَّهَ منظوراتهم في المجتمع والحكم والفكر وغيرها.
مع هذا، أجدني أقرب إلى موقف اركون، إذ يجعل الإسلام العامل الأكثر تحديدا للحراك الحضاري والثقافي القديم، بينما كانت العربية حاملة لغوية بإمكاناتها المذهلة.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن العربية لم تكن وسيطا وحسب، وإنما اللغة الجامعة (دينا وثقافة وكتابة) للعهود الإسلامية الماضية، بجميع أقوامها ومجتمعاتها.
في الأمر تداخلٌ وخلافٌ وتباينٌ، ما لا يمكن تسويته بصورة عادلة وناجزة بين الديانة واللغة (الثقافة).
هذه التسميات متأخرة، تتضح فيها رغبة المثقف العربي - وقد باتت له أمة او وطن مستجدان - في وراثة الماضي، سواء الديني او الثقافي...
ولكن الاكيد ايضا، هو أنه لا يمكن التخلي عن عامل، والاكتفاء بعامل منهما وحسب.
كاتب هذه السطور كان يستعمل: الثقافة العربية-الإسلامية، وبات يكتب منذ وقت، ويقترح للنقاش صيغة مختلفة، جديدة: الثقافة الإسلامية بالعربية.