اغتالت إسرائيل، أمس، «رئيس أركان حزب الله» هيثم طبطبائي، وهو القائد العسكري الأول في الحزب. وقد كشف هذا الاغتيال حجم الاختراق الذي تمكنت منه إسرائيل داخل البنية الحزبية، سواء عبر وجود عملاء فعليين في الأجهزة الأساسية للحزب، أو نتيجة الاحتفالات المتهوّرة التي دأبت القيادة الحالية على تنظيمها لرفع معنويات بيئتها الحاضنة.
لم يكن احتفال «صخرة الروشة» ولا استعراضات كشافة حزب الله ولا عشرات الاحتفالات الحزبية المشابهة مجرّد محاولات لرفع المعنويات أو لإثبات أن “قوة المقاومة” ما تزال راسخة. فهذه المشاهد، بكل ما فيها من استعراضات منظمة، وظهور علني لقيادات ميدانية، لم تخدم الداخل اللبناني بقدر ما خدمت العدو الإسرائيلي، إذ كشفت حجم الغباء الاجتماعي والأمني الذي يدير حزب الله اليوم، وأظهرت مدى الاستهتار بقدرات المراقبة الحديثة والذكاء الاصطناعي في زمن لم تعد فيه الحرب حرب رصاص وصواريخ وقنابل فحسب، بل حرب عقول ومعطيات رقمية.
إسرائيل اليوم لا تعتمد على مشاهد التلفزة أو تقارير الصحافة، بل على شبكة مراقبة معقدة تُعرف داخل الأوساط الأمنية الحديثة بـ «الظلّ الرقمي» لمناطق حزب الله. وهذه الشبكة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة:
1. طائرات مسيّرة متطورة
تحلق لساعات طويلة دون انقطاع، تجمع فيديوهات عالية الدقة، تسجّل بصمات الصوت، تراقب الاتصالات الهاتفية، وترصد أنماط الحركة الفردية والجماعية.
2. أقمار اصطناعية عسكرية
قادرة على التقاط تفاصيل دقيقة قد تصل إلى معرفة مقتنيات الأشخاص الشخصية أو حركة مركبة محددة ضمن بيئة مدنية مكتظة.
3. منظومات ذكاء اصطناعي
تحلل الوجوه، التفاعل بين الأفراد، تجمعات الناس، أساليب القيادة، ومسارات الحركة، وتدمجها مع قواعد بيانات تم جمعها منذ سنوات.
بهذه الأدوات، تستطيع إسرائيل أن تطابق أي وجه يظهر في احتفال عفوي أو فيديو ترويجي مع سجل سابق أو صورة التقطت من كاميرا ميدانية، خلال دقائق فقط. وهنا يكمن الغباء البشري: إظهار ما يجب إخفاؤه، وتسليم ما يفترض أن يُحمى.
كيف خدمت احتفالات حزب الله إسرائيل؟
أولاً: كشف الوجوه القيادية الجديدة : ظهور القادة الميدانيين من الصفوف الأولى أمام الكاميرات، بعضهم معروف ميدانياً لكن غير مصوّر حديثاً، يزوّد إسرائيل بملفات محدثة ودقيقة.
ثانيًا: كشف طبيعة الحركة التنظيمية: من يقود، من يوجّه، من ينسّق، من يحيط بالقيادات…هذه مشاهد “عادية” بالنسبة للناس، لكنها بالنسبة للذكاء الاصطناعي الإسرائيلي ذهب صافي، لأنها تسمح ببناء خريطة دقيقة للتراتبية داخل الوحدات الحزبية.
ثالثًا: البيئة المدنية المنفصلة عن ضغط الجبهات: الاحتفالات تمنح إسرائيل فرصة رؤية العلاقات التنظيمية خارج ضغط الميدان، وهي لحظة نادرة تُسمّى استخبارياً «النافذة الذهبية».
رابعًا: تحديد مسارات الوصول والمغادرة: ما يسمّى استخبارياً «خريطة الروابط اللوجستية»...من أين جاء هؤلاء؟ مع من غادروا؟ أي سيارات رافقتهم؟ هذه التفاصيل تصبح لاحقاً أساساً لعمليات الاغتيال الدقيقة.
وقد بلغ التخبط التنظيمي في حزب الله ذروته في خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير، الذي كشف عمق الارتباك داخل قيادة الحزب، وتركيزه على تخويف اللبنانيين مقابل إرسال رسائل تهدئة إلى إسرائيل.قال قاسم: «اتفاق وقف إطلاق النار هو حصراً لجنوب الليطاني… ولا خطر على المستوطنات الشمالية.» هذه العبارة موجّهة بوضوح إلى إسرائيل لتأكيد أن الحزب لا يريد فتح جبهة شاملة. وفي المقابل، يشنّ هجوماً على خصومه اللبنانيين بقوله:«لن أناقش خدام إسرائيل…» ويطالب بخطة زمنيّة لاستعادة السيادة منفّذة حصراً عبر القوى الأمنية. إنه الخطاب ذاته الذي يتكرر منذ سنوات: تهديد مبطن للداخل، وطمأنة مقنّعة للعدو.
المفارقة أن الحزب يحاول إنكار الحقيقة الواضحة: لولا تضامن اللبنانيين واحتضانهم للمهجّرين لما كان هناك صمود في الجنوب.
لم تعد المسألة «حقاً بالاحتفال» أو «حرية بالتعبير».إنها مسألة تتعلق بتحوّل السلوك المتهوّر إلى ثغرة أمنية رسمية. فالغباء البشري ليس في ارتكاب الأخطاء، بل في الإصرار عليها في زمن لم يعد الخطأ فيه قابلاً للإصلاح.
وبينما تتقدم إسرائيل بمنظومات مراقبة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يبقى حزب الله أسير عقدة القوة المصوّرة أمام الكاميرا. وهكذا يخسر الوطن مرّتين:
مرة بسبب من يتصرف بلا وعي، فيزيد الانقسامات ويضعف الدولة ويمنح إسرائيل الذرائع.
ومرة بسبب من يقدّم للعدو البيانات والمعلومات مجاناً، خدمةً لمشروعه من حيث لا يدري.