يأتي فيلم "Wicked: For Good" ليختتم الثنائيّة السينمائيّة المقتبسة من المسرحيّة الموسيقيّة الشهيرة "Wicked"، مُجسّدًا الفصل الأكثر قتامة ونضجًا في حكاية السّاحرتَين "Elphaba" و "Glinda". وإذا كان الجزء الأوّل قد ركّز على بدايات الصّداقة والخصومة وفرز الهويّات، فإن هذا الجزء يختار الغوص في ما بعد الانفصال. تتطوَّر الأحداث حول التداعيات الأخلاقيّة لكلّ شخصيّة وحول موقعها من شبكة السّلطة في عالم "Oz"، وما يعنيه أن تختار طريقك حتى لو بدا ثمنه باهظًا.
يُقدّم الفيلم سردًا أكثر تماسكًا من الجزء الأول، من حيث البناء النفسي للشخصيّات. "Elphaba" لم تعد مُجرّد ساحرة الشرّ كما تُصوِّرها الحكايات الشعبيّة، بل شخصيّة تبحث بيأسٍ عن حقيقة العالم الذي خذلها وعن معنى العدالة في منظومةٍ تُحرّكها الدّعاية والسّلطة. وعلى الجانب الآخر، تُمثل "Glinda" الوجه الآخر للمسؤوليّة، بين شهرةٍ مفروضة وسلطةٍ تهبط فوق رأسٍ لا يملك رفاهية الرّفض، وصراعٍ صامتٍ بين ما تريده وما يُنتظر منها.
ينجح الفيلم في تحويل لحظات الصّمت والقرارات البسيطة إلى نقاط مفصليّة، ما يجعله عملًا يقوم على الانفعال الدّاخلي أكثر من اعتماده على الحركة أو الاستعراض. هذا الخيار واضح وجريء، وإن كان يُضعف إيقاع السّرد في بعض المواضع، خصوصًا في بدايات الفصل الثاني التي تتأخر قليلًا قبل استعادة الزخم.
من الدّاخل نحو الخارج
من أبرز عناصر قوّة الفيلم، الأداء التمثيلي الذي يمنح كلًّا من بطلتَيه فرصةً واسعة للتعبير عن مستويات مُتعدّدة من الصّراع: الخوف، الشعور بالذنب، الحاجة إلى المصالحة، والاصطدام بين الرّغبة والواجب. حضور "Elphaba" على الشاشة مشحون بِطاقةٍ دراميّةٍ استثنائيّة، بينما تُقدّم "Glinda" نظرة مختلفة عن السّاحرة الطيّبة التي عرفناها، بصورةٍ أكثر هشاشة وتعقيدًا. اللّافت هنا أن العمل لا يبني بطلًا واحدًا أو خصمًا واحدًا، بل يختار منطقة رماديّة واسعة تسمح للمُشاهد بالتعاطف مع الجميع، ولو بدرجات مُتفاوتة. حتى الشخصيات الثانويّة، مهما كان حضورها محدودًا، تُقدَّم بوصفها جزءًا من منظومةٍ أوسع تتجاوز الخير والشر والثنائيّات السّاذجة.
يُحافظ الفيلم على روحيّة العمل المسرحي الأصلي عبر تركيزه على الغناء كشكلٍ من أشكال التعبير الدرامي، لا كاستعراضٍ مُنفصل. الأغاني هنا تتحوّل إلى مفاتيح لفهم الشخصيّات، لا مُجرّد فواصل موسيقيّة. بعض المَشاهد الغنائيّة تبلغ مستوى من الشحن العاطفي يجعلها محاور سرديّة قائمة بذاتها. أمّا بصريًّا، فيواصل المُخرج الأميركي Jon M. Chu تقديم عالم "Oz" بلمسات فانتازية غنيّة عبر فضاءاتٍ ضخمة، ألوان مُشبعة وتصميمات خرافيّة ساحرة. ورغم جمال هذا البناء، إلا أن الاعتماد المُكثف على الإبهار البصري قد يُهيمن أحيانًا على اللّحظات التي كانت قد تستفيد من بساطة أكبر وتركيز أعمق على التفاعل الإنساني المُباشر.
خطاب صناعة الأسطورة
يُركّز الفيلم على العلاقة بين السُّلطة وصناعة الصّورة العامّة. فالسّاحر لم يعُد شخصيّة غامضة وحسب، بل رمز لمنظومة كاملة من السّيطرة عبر السرديات. من يملك الحق في إعادة كتابة القصّة؟ ومن يُقرّر ليَفصل بين السّاحرة الخضراء الشرّيرة والسّاحرة الطيّبة الجميلة؟
هذه الطّبقة من القراءة تمنح "Wicked: For Good" بُعدًا سياسيًا غير مُباشر، لكنه واضح بما يكفي ليدفع المُشاهد إلى التفكير في الطّريقة التي تُبنى بها الأساطير، سواء في عالم الخيال أو في الواقع اليومي.
لا يهدف الفيلم لأن يكون احتفالًا صاخبًا، بل نهاية ناضجة لحكاية بدأت خفيفة وانتهت ثقيلة بقدر ما هي إنسانيّة. قد يعاني من تباطؤ في بعض مفاصله، وقد لا يبلغ مُستوى التناغم التام بين السّرد والاستعراض، لكنه ينجح في تقديم خاتمة مؤثرة وصادقة لمسار شخصيَّتين تقفان على ضفتَين متقابلتَين من القدر.
في المحصّلة، نصل الى وداعٍ طويل لصداقة تكسّرت تحت ضغط العالم واحتفاءٍ بالاختيار الحرّ، ولو كان الثمن أن تُساق إلى الهامش. عمل يختتم الأسطورة من دون أن يغلق بابها، تاركًا في الذاكرة ما يكفي لترديد السؤال الأزلي: من يملك الحقيقة… ومن يكتبها؟
الكثير من السّحر ضمن هذه الخاتمة الموسيقيّة الغنائيّة بانتظار الجمهور العائلي في صالات السّينما.