أحداث حمص تسلّط الضوء على أزمات الشرع الداخلية

4 دقائق للقراءة
انتشرت قوات الأمن في حمص عقب الأحداث الأخيرة (سانا)

مع اقتراب الذكرى السنوية لإطاحة نظام الأسد، لا يزال النظام الجديد يواجه أزمات داخلية عميقة وبنيوية رغم نجاحه في إرساء شرعية دولية، إذ إن المجازر الطائفية التي أدمت الساحل والسويداء وما رافقها من تحريض طائفي على نطاق واسع بحق الأقليات، لم تكن مجرّد أحداث ظرفية واستثنائية، بل تمتدّ الجرائم الطائفية على كافة الجغرافيا السورية بوتيرة مقلقة حتى اليوم بسبب التركيبة الفصائلية الجهادية والعشائرية للجيش السوري، المطعّم أيضًا بعناصر جهادية أجنبية، فضلًا عن تمسّك الشرع بالنظام المركزي ورفضه اعتماد دستور يحفظ خصوصية المكوّنات السورية، الأمر الذي يُعمّق هواجس الأقليات ويعزز موقف المتطرّفين القاضي بإرساء حكم عربي سني إقصائي، ما يشكّل عائقًا حقيقيًا أمام بناء سوريا جديدة موحّدة تحترم التعدّدية وتُحسن إدارتها.

في هذا الإطار، تعرّضت أحياء يقطنها علويون وشيعة في حمص إلى هجمات غوغائية انتقاميّة تخلّلها إحراق ممتلكات وإطلاق نار عشوائي أسفر عن سقوط عدد من الجرحى، بعد مقتل رجل وزوجته من عشيرة بني خالد بطريقة وحشية في بلدة زيدل في ضواحي حمص الأحد والعثور على عبارات تحمل طابعًا طائفيًا في مسرح الجريمة، ما أدّى إلى اتهام العلويين تعسّفًا بارتكاب الجريمة. وأعلنت محافظة حمص أمس تمديد حظر التجوال في عدد من الأحياء في حمص حفاظًا على الاستقرار والسلامة العامة، مشيرة إلى تضرّر 40 منزلًا ومحلًا تجاريًا و 29 سيارة في حصيلة أوّلية للأحداث. وأفادت بوقوع 18 إصابة، معظمها ناجمة عن إطلاق نار عشوائيّ، إلى جانب بعض الإصابات الناتجة عن حوادث مروريّة.

وذكرت محافظة حمص أن التحقيق الجنائي بملابسات الجريمة مستمرّ، متعهّدة بإعلان النتائج فور اكتمالها. وأكدت استقدام تعزيزات أمنية لضبط الوضع الميداني في الأحياء التي شهدت توترًا أمنيًا ومنع وصول التجمّعات إلى الأحياء التي تشهد توترات، في حين أوضحت الداخلية السورية أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل مادي يثبت أن الجريمة بحق الرجل وزوجته في زيدل ذات طابع طائفي، مؤكّدة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن العبارات التي وُجدت في المكان كُتبت بقصد التضليل، وإثارة الفتنة، وصرف الأنظار عن الفاعل الحقيقي. وأشاد مدير التواصل الحكومي في حمص لطفي أبو زيد بدور العشائر في "مساندة الأجهزة الحكومية في عملها"، في وقت أكد فيه "المرصد السوري" أن مسلّحين من عشيرة بني خالد ارتكبوا الانتهاكات الطائفية في أحياء حمص عقب اكتشاف جريمة زيدل.

في الغضون، أفاد "المرصد" باندلاع شجار تخلّله إطلاق رصاص في قرية البدروسية في ريف اللاذقية، بين وحدات تابعة لقيادة الأمن الداخلي ومجموعة مسلّحة تركمانية كانت تتحصّن داخل أحد الفنادق في القرية بعدما طردت صاحبه بالقوّة، ما دفع الأخير لتقديم شكوى لدى الأمن العام، الذي حضر أخيرًا وأثبت ملكيته للمكان. وذكر أن وحدات الأمن عملت على تنفيذ قرار إخلاء الفندق بالقوة، ما تسبّب في توتر تطوّر إلى شجار وإطلاق نار، قبل أن تتدخل قوات إضافية من التركمان لمساندة الفصيل، تزامنًا مع استنفار حواجز الأمن العام في المنطقة ومنع المدنيين من الوصول إلى قرية البدروسية.

توازيًا، كشفت قناة "الإخبارية السورية" نقلًا عن مصدر أمني أن وحدات الأمن الداخلي في اللاذقية تمكّنت من القضاء على عدد من الخارجين عن القانون خلال اشتباكات معهم، فيما أطلقت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة حملة أمنية نوعية في منطقة عفرين في ريف المحافظة الشمالي، استهدفت أوكارًا وخلايا إرهابية تابعة لتنظيم "داعش" متورّطة في تنفيذ أعمال عدائية تهدّد أمن المواطنين واستقرار المحافظة.

ومع استمرار الاشتباكات المتقطّعة بين دمشق و "قسد" وتعثر تطبيق "اتفاق آذار" كاملًا حتى الآن، أوضح قائد "قسد" مظلوم عبدي أن دمشق تشترط البدء بحل القضايا العسكرية قبل الانتقال إلى الملفات الدستورية والسياسية، مؤكدًا أن هذا الشرط يشكّل إحدى نقاط الخلاف الأساسية. وذكر أن "قسد" قدّمت رؤيتها المكتوبة لدمج القوات ضمن الجيش السوري، بما في ذلك الهيكلية وترتيب المسؤوليات والأسماء المقترحة للمناصب العسكرية، لافتًا إلى أن دمشق "لم تقدّم أي ردّ حتى الآن". وكشف أن الاجتماع الأخير في دمشق الذي حضرته أطراف أميركية "قدّم للمرّة الأولى رؤية أولية حول الملفات العسكرية"، لكنه شدّد على أن "الملفات الجوهرية ما زالت معلّقة"، خصوصًا شكل النظام السوري في المرحلة المقبلة، والمكانة الدستورية للمكوّن الكردي، ومستقبل بنية الحكم بين المركزية واللامركزية.