يؤكد خبير أمني متقاعد كانت له صولاته وجولاته في عالم الأمن، أن عمليات الاغتيالات المتلاحقة التي شهدها "حزب الله" منذ بداية (حرب الاسناد 2023)، وصولاً الى عملية تفجير البيجر، واغتيالات قيادة الصف الاول، ومن بعدها اغتيال أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله، والسيد هاشم صفي الدين... وغيرهما، كل هذه العمليات تؤكد أن الحزب يعاني من اختراق أمني كبير، وان رفض البعض هذه الحقيقة، مستندًا في رفضه الى أن نجاح العمليات الأمنية الإسرائيلية مردّه إلى التفوق الاسرائيلي الالكتروني، من حيث رصد بصمة العين، والصوت، والاتصالات...
فبغض النظر عن تفوق اسرائيل في مجال المعلوماتية، وفي استخدامها قدرات تكنولوجيا متطورة في عملياتها الامنية، فإن كل هذا التطور لا ينجح دون مساعدة من العنصر البشري على الأرض، وهذا العنصر له الدور الأكبر في تقديم المعلومات، والتفاصيل التي تساعد على نجاح المهام الأمنية.
وبرأي بعض الأوساط، ان إسرائيل منذ نشأتها، قامت على أعمدة الأمن والاستخبارات، ففي عام 1937 أسست الحركة الصهيونية منظمة سرية استخبارية بهدف تنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين، واستمرت في عملياتها إلى أن أُعلن قيام دولة إسرائيل في 15 أيار 1948، وفي 13 كانون الأول 1949، أقر رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون تشكيل مؤسسة لتجميع وتنسيق خدمات الاستخبارات والأمن، عرفت لاحقا باسم "الموساد"، وبدأ رسميًا تنفيذ مهامها خارج الحدود الإسرائيلية في الثامن من شباط 1951. فإسرائيل المعروفة بتفوقها الأمني، هي أيضًا تتميز بتفوقها الجوي، لذا فإن التفوق الأمني والجوي اجتمعا في هذه الحرب التي تشنها اسرائيل دون هوادة ضد "حزب الله".
وعلم من أوساط خاصة، انه ومنذ مدة، وتقوم قيادة "حزب الله" بما يشبه الورشة الأمنية داخل الحزب، حيث يعمل المسؤولون وبالتنسيق مع مستشارين أمنيين إيرانيين على إعادة تنظيم الهيكل الأمني داخل "حزب الله" نتيجة الاختراقات الأمنية المتلاحقة، والتي كان آخرها اغتيال هيثم طبطبائي، وعدد من الكوادر، والعمل على تفعيل جهاز مكافحة التجسس المعروف (بجهاز 1000)، وجهاز الامن الخارجي ( 910) وغيرهما من أجهزة أمنية، ولم تستبعد المصادر أن يكون رد "حزب الله" على ما يتعرض له من اغتيالات ضمن نطاق المجال الامني وفي اطار عمليات أمنية خاصة سواء في لبنان، أو في عدد من الدول، بحيث تشهد الايام المقبلة حربًا استخباراتية بين اسرائيل من جهة و"حزب الله" وربما إيران من جهة أخرى.
الاختراق الامني الاسرائيلي السابق والحالي، والذي يتجدد كل يوم مع استمرار عمليات اغتيال كوادر حزبية، واستهداف السيارات، والمواقع والمراكز، يدل على أن "حزب الله" لم يقرأ التاريخ الامني الاسرائيلي كما يجب، ولم يدخل الى عمق العقيدة الامنية الاسرائيلية، وهذه من الثغرة والأخطاء التي ارتكبها الحزب، فالبعض يعتبر ان عملية "البيجر"، التي جرت في شهر أيلول 2024، تشبه الى حد ما قضية الاسلحة والذخائر الفاسدة التي زُوِد بها الجيش المصري أيام الملك فاروق أثناء حرب 1948، مما ساهم في هزيمة القوات المصرية، بحيث ان بعض القنابل كانت ترتد على المصريين، أو تنفجر في مكانها، وراجت يومذاك "طرفة"، صار الكل يرددها، بأن الجندي المصري أثناء الحرب كان يصوب بندقيته نحو مواقع العدو، ويغمض عينيه، ويردد (يا رب تجي في عينو )... ولم يتعلم قادة الحزب ويتعظوا من التجارب السابقة، بدليل أن طريقة عملية اغتيال الطبطبائي، لا تختلف كثيراً عن عمليات الاغتيال السابقة التي طالت قادة الحزب، ومن بينهم الحاج فؤاد شكر على سبيل المثال.
واعتبرت مصادر، أنه آن الاوان لأن تتبع قيادة الحزب السياسة البراغماتية، فتصارح بيئتها بكل ما جرى، وتكشف الغموض عن الكثير من القضايا، وبإجراء عملية نقد ذاتي بعيدة عن المشاعر والعواطف، وإعادة تقييم التجربة العسكرية والأمنية للحزب منذ بداية "حرب الاسناد" حتى اليوم.
وبرأي مصدر سياسي أنه على "حزب الله" أن يقرأ جيداً أبعاد التطورات والتغييرات الدولية والاقليمية، واغتنام الفرصة لمد يد التعاون مع الحكومة اللبنانية لتحصين نفسه لبنانياً من جهة، وللتوصل الى حل نهائي للخروج من هذه الحرب التي باتت كابوساً على لبنان من جهة أخرى.