محمد البابا

خطة ترامب للسلام في أوكرانيا بين مطرقة كييف وسندان موسكو

6 دقائق للقراءة

مع تسريب خطة السلام الأميركية المؤلفة من 28 بنداً حول انهاء الحرب في أوكرانيا، تلقّت كييف وخلفها الدول الأوروبية صدمة سياسية غير مسبوقة. ليس فقط لأن مضمون الخطة بدا وكأنه يلبي بشكل مباشر المطالب الروسية ويمنح موسكو ما يشبه "انتصاراً مريحاً" على الورق، بل لأن طريقة تسريبها، وتوقيت نشرها، والإخراج الإعلامي الذي رافقها، خلقوا حالة ارتباك حقيقي داخل أوكرانيا وخارجها ما استدعى اتصالات مكوكية بدأها زيلينسكي عل محورين الاول في شد العصب الأوروبي والثاني استيعاب الضغط الأمريكي.

الرواية التي سُوّقت حول الخطة أوحت وكأنها أمر رئاسي من ترامب مُلزِم لأوكرانيا، وأنّ على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إما القبول بها أو تحمّل تبعات رفضها، وأهمّها احتمال خسارة الدعم الأميركي. هذا الجو الضاغط وُضع عمداً في إطار حملة إعلامية منسّقة، حاولت التصوير بأنّ الكرة أصبحت في ملعب كييف، وأنّ أيّ تردّد أو اعتراض سيُقرأ أميركياً كعرقلة للسلام، ما فتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول خلفيات التسريب وأهدافه.

زيلينسكي، الذي وجد نفسه يواجه وضع صعب على أوكرانيا يزيد صعوبة عن اللحظات الأولى لبداية الغزو الروسي لأوكرانيا، وإمكانية خسارة أهم داعم عسكري وسياسي لها، استوعب الصدمة بسرعة إيجابية ، وسحب الذريعة الأساسية التي أراد خصومه تحميلها له، فأعلن فوراً تأييده لفكرة ورقة عمل يمكن الانطلاق منها لوقف سفك الدماء فتخدث عن استعداده لمناقشة الخطة بدل رفضها. وبهذه المناورة الذكية، أعاد زمام المبادرة إلى كييف، وفتح المجال أمام مشاورات عاجلة مع العواصم الأوروبية. في خلفية هذه الحركة، كان إدراك واضح بأنّ الولايات المتحدة نفسها منقسمة حول كيفية إنهاء الحرب، وأنّ القبول المبدئي بالنقاش يُفقد واشنطن ذريعة الضغط، ويمنح أوكرانيا فرصة لإعادة صياغة موقف أوروبي موحّد يمنع فرض أي حل أحادي.

البنود التي وصلت إلى كييف لم تكن بنود بسيطة ولا قابلة للتجميل، حيث كانت اشبه لنقاط تعترف عملياً بسيطرة روسيا على الأراضي الأوكرانية المحتلة، وتلغي كل فرص أوكرانيا باستعادتها عسكريا او سلمياً، لا بل تعطي روسيا اعترافاً غربياً لم تكن لتحلم به روسيا من قبل، وتطرح نهاية حلم طويل الأمد لعضوية أوكرانيا في الناتو، مقابل ضمانات أمنية فضفاضة غير ملزمة سبق لأوكرانيا ان حصلت على ضمانات قبل ٣٠ عاماً. كذلك تشمل الخطة إعادة انتشار القوات الأوكرانية من مناطق تعتبرها كييف خطوط دفاع استراتيجية، وإعادة فتح قنوات اقتصادية ضخمة مع موسكو تحت عنوان "إعادة الإعمار المشترك"، إضافة إلى بند يؤكد شرعية سيطرة روسيا على حول شبه جزيرة القرم، ما يعني عملياً الاعتراف بالأمر الواقع. هذه الشروط، حين وضعت أمام المؤسسات الأوكرانية، اعتُبرت أقرب إلى وثيقة استسلام سياسي تمت صياغتها بما يتناسب مع رؤية موسكو للحرب، وتفتح الباب للمطالبة بتنازلات لاحقة.

التحرّك الأوكراني السريع وردة فعا زيلينسكي دفعا واشنطن لمناقشة البنود في مفاوضات جنيف مع أوكرانيا، في محاولة لإعادة ضبط المشهد بعد التضخيم الإعلامي الذي رافق التسريب. فكانت جولة جنيف، التي عُرضت في البداية على أنها محاولة لتوضيح الالتباسات في النقاط، تحوّلت عملياً إلى جلسة اعداد خطة عملية أرادت الإدارة الأميركية من خلالها إقناع كييف بأنّ خطة النقاط الـ٢٨ ليست نصاً نهائياً بل ورقة عمل يمكن تعديلها. لكن بالنسبة للأوكرانيين، كان واضحاً أن جوهر الخطة—أي تثبيت مكاسب روسيا—لم يكن قابلاً للصرف سياسياً داخل أوكرانيا ولا أوروبياً. الجانب الأوكراني دخل جنيف من موقع الحذر، يحاول كسب الوقت وتوسيع الهوامش، بينما الجانب الأميركي بدا راغباً في اختبار إمكانية الوصول إلى مخرج سياسي سريع لكن من دون إرغام كييف على توقيع اتفاق تُعارضه مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

وما إن انتهت جولة جنيف حتى سارعت موسكو إلى إرسال رسائل مزدوجة. فمن جهة، أعلنت استعدادها "للنظر إيجابياً" في أي مبادرة تُقدّم لها اعترافاً بمكاسبها الإقليمية والأمنية، ومن جهة أخرى لوّحت بالعودة إلى نقطة الصفر في حال لم تُقدَّم لها ضمانات واضحة. هذا الخطاب الروسي، الذي افتُتح بلغة "المرونة المشروطة"، كان يهدف إلى زيادة الضغط على كييف ووضع الأميركيين أمام خيارين: إما قبول روسيا كشريك منتصر تُفصَّل على أساس مصالحه بنود التسوية، أو تحمّل تبعات استمرار الحرب مع تصعيد روسي أكبر. التهديد غير المعلن كان واضحاً: رفض الخطة من دون تقديم تنازلات مقابلة يعني سقوط أي نافذة للتفاوض لاحقاً وتحوّل الميدان إلى المصدر الوحيد لفرض الشروط.

لكن الحدث الذي زاد المشهد تعقيداً هو تزامن طرح الخطة مع انفجار فضيحة فساد واسعة داخل كييف طالت وزراء ومسؤولين مقربين من الرئيس زيلينسكي. هذا التوقيت أثار موجة شكوك داخل الأوساط السياسية الأوكرانية والأوروبية على حدّ سواء: هل هو مجرّد ظرف عابر أم محاولة مُحكمة لاستغلال لحظة ضعف داخلية لدفع كييف نحو القبول بخطة تُقيّد خياراتها؟ الأزمة، التي تحوّلت بسرعة إلى مادة للسجال الداخلي، أعطت خصوم زيلينسكي ذريعة لمهاجمته، ووفرت لواشنطن وموسكو على السواء فرصة لاختبار حدود قدرته على الصمود السياسي.

بالنسبة لزيلينسكي، كان من الضروري إظهار أن الفضيحة شأن داخلي لا يؤثّر على الموقف الوطني من التسوية، وأنّ أوكرانيا قادرة على الفصل بين مكافحة الفساد وبين إدارة الحرب والمفاوضات. لكن السؤال بقي معلّقاً: هل كان تسريب الخطة فعلاً مجرد صدفة أم خطوة محسوبة تهدف إلى ضرب موقع الرئيس الأوكراني بينما كان يعالج أزمة سياسية داخلية؟

هكذا، تجمّعت كل خطوط الضغط دفعة واحدة: خطة سلام تطرح مكاسب استراتيجية لروسيا، ضغوط إعلامية أميركية، فضيحة فساد داخلية، ومفاوضات في جنيف لم تُنتج لغة تطمينية كافية. وسط هذا المشهد، لم يعد الصراع بين "خطة" و"رفض"، بل بين محاولة أوكرانيا الحفاظ على الحدّ الأدنى من شروط صمودها كدولة، ومحاولات موسكو الاستفادة من أي شرخ داخلي أو خارجي لإعادة صياغة خريطة النفوذ في أوروبا الشرقية. أوروبا، من جهتها، ما تزال تتعامل مع كل خطوة بحذر شديد، مدركة أن أي انزلاق نحو قبول تسوية غير متوازنة سيُقرأ روسياً كضوء أخضر لتكرار السيناريو في أماكن أخرى.