أصبح العنف المدرسي من الظواهر التربوية الخطيرة التي تهدد البيئة التعليمية التي يجب أن تكون مساحة أمان يتشاركها الطلاب لتنمية قدراتهم الاجتماعية العلائقية والتواصلية.
من عنف لفظي وجسدي وصولًا إلى عنف أكاديمي، أشكال عدّة نتائجها واحدة تدنّ في تقدير الذات وتراجع في الأداء الأكاديمي وفقدان الرغبة في الذهاب إلى المدرسة.
للعنف المدرسي أشكال عدّة، أبرزها العنف الجسدي كالضرب والركل والتدافع، والعنف اللفظي كالتنمّر والشتم والعنف النفسي كالتخويف والتهديد والتمييز والإهانة والعنف الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أما العنف الأكاديمي فيتمحور حول تمييز الأساتذة بين الطلاب لناحية العلامات الدراسية أو الإهمال. وتوضح المعالجة النفسية جيني ابراهيم العقوبات التربوية، التي يرتكز عملها على مرافقة الأطفال في المدارس والجمعيات، إلى الفارق ما بين تعنيف طالب وآخر، وبين تعنيف المربين أو الإداريين للطلاب، "غالبًا ما يتمحور الأول حول الضرب أو أخذ الممتلكات الشخصية أو رفض المشاركة في اللعب. ويكون المتنمّر عادة شخصًا يعبّر عن حاجة نفسية معيّنة، يتعرّض في منزله أو محيطه للتنمّر، فيعبّر عن ذلك بتنمّره على الآخرين. فيما يتمحور الثاني على العنف الممارس من قبل الأساتذة تجاه الطلاب والذي يرتكز عادة على اللفظ والتمييز، وهذا السلوك هو الأكثر خطورة كونه يفقد الطالب الشعور بالأمان، وبالتالي الرغبة بالذهاب إلى المدرسة".
ويبقى الطلاب الأصغر سنًّا وفق إبراهيم الأكثر عرضة للعنف داخل البيئة المدرسية، معتبرة أن الخجولين والانطوائيين والذين لديهم صعوبات تعلّمية أو اقتصادية ومن يفتقر بينهم للدعم العائلي هم الأكثر تأثرًا، مستشهدة بقول الأب يعقوب الكبوّشي: "ما يُكتب على صفحات الطفولة لا تقوى يد بشرية على محوه".
وتضيف: "يترك العنف أثرًا نفسيًا كبيرًا عند الطفل، ما يُخفض مستوى تركيزه وانتباهه، ويعزز الضعف في ذاكرته بسبب التوتر، ويُفقده الرغبة بالذهاب إلى المدرسة واندفاعه في التعلّم، فتتراجع مشاركته بالأنشطة المدرسية ما ينعكس سلبًا على مستواه الأكاديمي".
وعن المؤشرات السلوكية والأكاديمية التي تدل إلى تعرّض الطالب لعنف مدرسي، تقول: "تغيّر مفاجئ في سلوكه، فيصبح إمّا عدوانيًا متهجمًّا على الآخرين وإمّا انعزاليًا. يفقد الشهية ويعاني اضطرابات في النوم، تتراجع علاماته المدرسية، يفقد أغراضه المدرسية دائمًا. يعبّر بنوبات غضب وبكاء من دون سبب واضح عن عدم رغبته في الذهاب إلى المدرسة. كما يمكن ملاحظة آثار جسدية كالكدمات أو الجروح كنتيجة للعنف".
وتشدد إبراهيم على أن التعرّض المتكرّر للعنف يؤدي إلى تدنٍ في تقدير الذات وقلق مزمنٍ واكتئابٍ واضطرابات سلوكية، وصعوبة في بناء العلاقات مع الآخرين، وقد تتطوّر لديه اضطرابات ما بعد الصدمة وأعراض نفس - جسدية كأوجاع في الرأس والبطن غير مبررة طبيًا.
وردًّا عن سؤال حول دور إدارة المدرسة والمسؤولين في الكشف عن حالات العنف ومعالجتها، تجيب: "توعية الطلاب في المدارس على كيفية محاربة العنف وطلب المساعدة من مسؤول بالغ نثق فيه عند الحاجة مهمّ جدًا. كما يجب تدريب الأساتذة على كيفية استقبال الشكاوى والتعامل معها ومعالجتها بسريّة، وملاحظة أي تغيير في سلوك الطلاب. ويتطلّب ذلك كله، وضع سياسة واضحة لمناهضة العنف في المدرسة، وتحديد عقوبات تربوية غير عنيفة، بمشاركة فاعلة من الأهل، وبتوافر مستشارة نفسية نشجّع الطلاب على اللجوء إليها".
ولفتت إلى أهمية أن ينعم الطفل بدعم أسري غير مشروط، والتحدّث إليه عن يومياته المدرسية، ولحظ أي تغيّر في سلوكه وتعليمه كيفية الدفاع عن نفسه وضرورة اللجوء إلى شخص بالغ. ومن المهم أيضًا عدم تجاهل شكواه والتواصل دائمًا مع المدرسة والأساتذة وتنظيم اجتماعات مشتركة، وفي حال سُجّلت أي حالة عنف بالغة يجب اللجوء إلى جهات رسمية أو إدارة المدرسة.
وعن كيفية بناء بيئة مدرسية آمنة، تقول: "من المهم أن يشعر الطالب بأمان في مدرسته، ليكون فرحًا ومرتاحًا، وأن تُنظم برامج توعية وتدريب للأساتذة على كيفية إدارة الصف من دون عنف، وتعزيز الاحترام المتبادل بين الطلاب من جهة وبين الطلاب والإدارة والأساتذة من جهة أخرى، وأن تكون هناك جهوزية دائمة للأصغاء إلى الطلاب.

أهمية العقوبات التربوية يجب أن تتوافر كاميرات مراقبة في الملعب والممرّات لمراقبة أي سلوك غير سويّ، وتنظيم أنشطة معززة للعمل الجماعي، وتعزيز قيم التسامح عند الطلاب، كما تفعيل دور المستشار النفسي، وأن تكون العقوبات تربوية واضحة رادعة للسلوكيات. وتشير إبراهيم إلى أن دور المعالج النفسي في المدرسة، مهمّ لجهة تدريب الطلاب على مهارات التواصل وحل النزاعات وتنظيم ورش عمل توعوية للوقاية من العنف ومتابعة الطلاب الذي يُظهرون اضطرابات سلوكية وتقديم الدعم النفسي اللازم للمعنِف والمُعنَف. ولكن لا يكتمل هذا الدور دون تعاون الإدارة والأساتذة لوضع خطط التدخل. |