في خطوة تهدف إلى مقاربة ظاهرة التنمّر من زاوية مؤسسيّة شاملة، عُقدت أمس الجمعة، طاولة حوار رفيعة المستوى لإطلاق مسار إعداد "خطة عمل وطنية لمكافحة التنمّر في لبنان" (National Anti-Bullying Action Plan)، من تنظيم جمعيّة "Rise Above Bullying" وبالشراكة مع "معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة" في "الجامعة الأميركية في بيروت"، وبرعاية رئيس "الجامعة الأميركية في بيروت" فضلو خوري. حضر اللقاء وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد ووزير العمل محمد حيدر وعدد من الإعلاميّين والمعنيّين.
استُهل اللقاء بكلمة للوزيرة السيّد، تبعتها رئيسة "الجمعية" مريم عيد، كما شاركت عضوات "الجمعيّة" المختصّات في مكافحة التنمّر جمانة عمّار، كاثي خياط، لمى الصبّاح، والدكتورة نسرين مكارم، في طرح الرؤى والخبرات حول مواجهة التنمّر.
الوزيرة حنين السيّد أشارت في كلمتها إلى أن التنمّر في العصر الرقمي لا ينتهي عند حدود المدرسة، بل يتبع الأطفال والشباب عبر الشاشات إلى منازلهم وأماكنهم الخاصة. أما رئيسة جمعيّة "Rise Above Bullying" مريم عيد فأكّدت في كلمتها أن حماية الكرامة ليست خيارًا، بل مسؤولية وطنية ندين بها لأطفالنا وشبابنا وكبار السن.
وخلال اللقاء، سُلِّط الضوء على التنمّر في مختلف الميادين، من المدارس إلى أماكن العمل وصولًا إلى الفضاء الرقمي، مع التأكيد على خطورته وانتشاره في كل زاوية من حياتنا اليومية، ووصفه بأنه سلوك متعمّد ومتكرّر يؤدي إلى أضرار جسدية، لفظية، نفسية، عاطفية، أو رقمية (التنمّر الإلكتروني - Cyberbullying). كذلك، شدّدت الكلمات على ضرورة اعتماد سياسات مؤسسيّة إلزامية في المدارس والجامعات وأماكن العمل، تشمل حماية الضحايا، آليات الإبلاغ، والتدخل المبكر.
"خطة العمل الوطنية لمكافحة التنمّر في لبنان" تشمل ركائز عدة، من بينها: تدريب المعلّمين والموظفين والطلاب عبر جلسات سنوية مصغرة لتعليم الوقاية المبكرة، كما إشراك الأسرة من خلال جلسات توعية دورية لتعزيز التواصل، الاحترام، ومهارات الإبلاغ، إضافة إلى برنامج لتعزيز ثقافة مواجهة التنمّر داخل المؤسسات. وتُبرِز الخطة أهميّة التنسيق بين الوزارات والمؤسسات لضمان تطبيق السياسات ومتابعتها، بما فيها التربية، العمل، الصحة العامة، الشؤون الاجتماعية، الإعلام، والعدل.
وعلى هامش المؤتمر، أكّدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد لـ "نداء الوطن" أن حماية الأطفال تشكّل أولوية الوزارة كونها الجهة الرسمية المعنية بحماية الأطفال، بصفتها الراعية لتطبيق القانون 422 والقوانين الأخرى ذات الصلة. وأضافت أن التنمّر، بما في ذلك التنمّر الإلكتروني، يطول الأطفال بشكل مباشر، ما يجعل دور الوزارة والمجلس الأعلى للطفولة محوريًا في معالجة هذه الظاهرة. وأوضحت السيّد أن لدى الوزارة 160 مركزًا على الأراضي اللبنانية كافة تمثل نقاط التواصل الأولى مع المجتمع، وتستقبل الأطفال والأمهات وكبار السن، وتعمل بالتعاون مع جمعيّات غير حكومية لإطلاق حملات توعية خارج المدارس، حيث يمكن أن يحدث التنمّر والعنف أيضًا.
كذلك شدّدت الوزيرة السيّد على أهمية الدمج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرةً إلى أن الوزارة ترعى هذه الفئة عبر "اللجنة الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة"، وكشفت أن مجلس الوزراء وافق مؤخرًا على استراتيجية وطنية شاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، واصفة هذا الإنجاز بأنه "خطوة كبيرة على صعيد حماية الفئات الأكثر ضعفًا". وأضافت أن مجلس الوزراء أقرّ أيضًا إنشاء لجنة وزارية لصياغة "استراتيجية وطنية لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي"، مؤكدة أن هذا الملف يمثل أولوية ملحّة لمواجهة التحديات الحديثة التي يتعرض لها الأطفال في لبنان.
رئيسة جمعيّة "Rise Above Bullying" مريم عيد، لفتت في حديث مع "نداء الوطن" إلى أن العمل بدأ منذ نحو سنة في الجمعيّة، مع التركيز على مواجهة ظاهرة التنمّر بطرق عملية وواقعية. وقالت: "قمنا بمبادرات عدّة، منها "بودكاست" تحدّثنا فيه مع "شركة صبّاح إخوان" عن التنمّر، وكان ناجحًا جدًّا وبيّن لنا أن حتى الأشخاص المعروفين تعرضوا للتنمّر، وكيف حوّلوا تجاربهم من ضعف إلى قوة".
الجمعية نفذت أيضًا تدريبات في المدارس، وشاركت في برامج بالتعاون مع "قسم مكافحة التمييز" في "الجامعة الأميركية في بيروت"، وهو قسم يُعنى بالأشخاص فوق سن الخمسين الذين يتعرّضون للتنمّر في حياتهم اليومية بسبب عمرهم. وأضافت عيد: "كان لدينا العديد من التعاونات في هذا المجال".
وبالنسبة إلى "خطّة العمل الوطنية لمكافحة التنمّر"، أوضحت عيد أن إطلاقها يُمثل "خطوة أوّلية"، مؤكدة أن الخطوات المقبلة تشمل تشكيل لجنة تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، تضمّ ممثلين عن جميع الوزارات والمؤسسات المعنية، بهدف تحويل الكلمات إلى أفعال على أوسع نطاق بين المدارس والشركات والجمعيات والمجتمع ككل. وختمت: "التنمّر قضيّة اجتماعيّة، لذلك ارتأينا أن يكون العمل تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، لأن الموضوع يخص الجميع".