المحامي محمد آصف ناصر

أم الدويس

6 دقائق للقراءة
إنتشار أمني في حمص

صباح الأحد 23 تشرين الثاني 2025، فوجئ حسن بهجوم منظَّم على حيّ المهاجرين في حمص، جُلَّ ما فهمه أن ثمة عشيرة من البدو، كانت مشهورة بولائها لنظام البعث، قررت اقتحام أحياء العلويين للاقتصاص منهم نتيجة جريمة وقعت وترَك الجاني شعارات طائفية يستعملها عادة جماعة الإسلام السياسي بفرعه الشيعي.

حسن الذي شارك في التظاهرات السلمية الأولى وردد شعارات "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد" والذي شارك في تنسيقيات العام 2011، والذي سبق كل ذلك اعتِقاله في سجون البعث، لم يستوعب في خضم الذعر والاضطراب كيف أصبحت هويته الطائفية تهمة. انفرجت أساريره عند سماع نداء الأمان من وحدات "الأمن العام" وسارع مع عائلته إلى ملاقاتهم في الشارع، ليترنح ويسقط نتيجة رشق ناري! فيما هو يهوي على التراب شاهد منزله يحترق، وتذكر قصة أم الدويس.

أم الدويس اسطورة شعبية إماراتية انطلقت من قرية المدام التراثية الغافية على الكثبان الرملية التي تخط عليها الريح رموزا سرية كهمس القدر لأبناء الحياة. أم الدويس جنية بارعة الجمال عطرها آسر، ترتدي ذهبًا كثيرا تستدرج الرجال والأطفال بحلو حديثها على السواحل وفي الواحات، وبين الكثبان الرملية وقرب أشجار النخيل، وعند اقتراب الضحية منها تمسكها بلسانها الطويل لتفتك بها بالداس (المنجل) النابت من ذراعيها. أم الدويس السورية طمأنت السوريين في أواخر شهر تشرين الأول 2024 أن سلطان القانون سيبسط، وأن لا عمليات ثأر ستتم، فدخلت الساحل الشرقي للمتوسط بأمان وسلام وسارع العلويون إلى تسليم سلاحهم مؤمنين بمنطق الدولة ليبدأ على إثر ذلك مسلسل الاذلال والتنكيل والقهر ومن ثم الجرائم الفردية والمجازر ولاحقا جرائم الإبادة الجماعية ومن ثم السبي والاختطاف، وصولا إلى ترويع أحياء بأكملها لأن "الشبيحة" غضبوا. في المقابل استفادت أم الدويس اللبنانية من معاناة العلويين لتكافح رأيًا متصاعدًا في بيئتها الحاضنة بعبارة "ألم تروا ما حصل بالعلويين عندما سلموا السلاح".

تتشارك كل من "أم الدويسين" بنظرتها الدونية إلى العلويين، ففيما تُصرِّح أم الدويس السورية جهارا نهارا بـــ"عوي ولاك"، و"سبحان من أعزنا وأذلكم" و"هاجر أنت لست شجرة"، يجاهر غسان سعود ربيب ام الدويس اللبنانية بانعدام الجدوى الاقتصادية العلوية، فيما تتسلل ابتسامة ام الدويس المغلفة ببريق ذهبها البرازيلي، إلى الخلايا الجذعية العلوية زاعمة وحدة الولاية والانتماء الديني، فيما تمتشق داسها لتحصد روح العلويين وتستهدف مؤسستهم الدينية التقليدية فتُحَكِّم بمشايخهم الطريد الدعي وتجعله أميرا عليهم؛ وعندما شاءت القدرة الإلهية إظهار الهوية العلوية الدينية، ببساطة والتزام تجاوَزَ حدود المعقول في تشييع الشيخ محفوظ سلوم (أبو حيدر)، حاولت أصابع ام الدويس التسلل إلى التشييع عبر ممارسات غير مألوفة في التقاليد العلوية فتم تطويقها واخراجها بالفطرة العلوية السليمة والسلمية.

أم الدويس في لبنان، تحت شعارات الممانعة، تتيح سفك دماء المقاومين وتبرر للأوليغارشية "السفيانية" الدولية أن تمدد معاناة بيئتها وزعزعة استقرارها على مذبح مشروع الإسلام السياسي، فترفض فكرة تطبيق القرار 1701 وإخضاع السلاح لسيادة الدولة وشرعنته عبر تقنين يجعل قرار الحرب والسلم بيد السلطات الدستورية اللبنانية. هذا التقنين كان السبيل الأوحد لحماية تراث المقاومة واكتساب مظلة دولية تُخرِج لبنان من دائرة مخالفة المواثيق والعهود الدولية وكأنهم لم يقرأوا "أوفوا بالعهود" و"لا تختلن عدوك". يطيب لجماعة المكتب السياسي التمسك بأدبيات لم تعد صالحة ما بعد 8/12/2024، وتفوق معدل التنمية البشرية HDI على جدوى السلاح، ففي زمن الـذكاء الاصطناعي تكون الغلبة لمن يملك أعلى معدّل ذكاء بشري ومن يُذخِّر هذا الذكاء بأدوات وتقنيات حديثة ومن يضمن للجسد الذي يحمل هذا الذكاء العدالة والمساواة والاستقرار والحافز لكي يطور العقل الجمعي أدواته.

يُشكِّل فهم الأنثى في العقل الذكوري تحديًا استنبطت منه الميثولوجيات رمزية المجهول وغير المتوقع، وأصبح تعاطي المجتمعات مع المجهول مربوطًا بإسقاطات الميثولوجيا على الشخصية الأنثوية، ففيما تُشكِّل عشتروت تحدي البعث والحياة والغضب غير المتوقع في الميثولوجيا الكنعانية، شكلت برسيفوني والسيرينات رمزًا أنثويًا عن اتحاد الخطر بالمجهول والدمار بالمعرفة في الميثولوجيا الاغريقية، أما في القصص الشعبي الخليجي فكان المجهول والشغف رمزًا للموت المحتم جسدته اسطورة ام الدويس حتى جاء الشيخ راشد آل مكتوم الذي أسس مرفأ جبل علي، وأتى نجله الشيخ محمد بن راشد ليروض أم الدويس وتتحول من قصة تخويف إلى نسيج رمزي في التراث الشعبي، فأُخضِعَت أم الدويس لصالح قضية شعب وتحول المجهول إلى تحدٍ يشارك به الاماراتي الإنسانية في رحلة استكشاف المريخ. فمن تحدي بناء مرفأ جبل علي إلى رحلة استكشاف المريخ قفزات حضارية أتمها الانسان الاماراتي بعد أن تصالح مع المجهول وأخضعه.

أما الانسان اللبناني، الذي أخضع أسلافه بحار الظلمات ولم يجدوا في المجهول إلا دعوة لسبر أغواره فغرسوا الحضارة من أرواد، صيدا، صور وطرابلس، إلى عُتيق وقرطاجة مرورا بسردينيا ومالطا، وانتهجوا وسائل تقدمية كمسألة سباق العدائين لحل الخلافات الحدودية، هذا الانسان يقبع اليوم أسير الخوف من المجهول والقلق من احتمال نشوب حرب، والهجرة هي أمله الوحيد بمستقبل مستدام.

لو خشي كولومبوس الحوريات لما استكشف اميركا، ولو خشي جلجامش الخطر لما صادق أنكيدو، ولما تغلب على مكيدة عشتروت وانتقامها.

لا يمكننا مواجهة المستقبل بأدوات الماضي، ولا يمكننا المكوث في كهف الأمان خوفا من عناصر الطبيعة، فلو أن الانسان الأول ركن لأمان الكهوف ولم يخرج لمواجهة الطبيعة واستكشاف المجهول وقهره بالمعرفة لكنا حتى اليوم نمارس طقوس سكان الكهوف.

إن التحرر من أفكار الماضي وابتكار وسائل مُحدَثة لمواجهة تحديات الحاضر والمضي قدما نحو المستقبل يوجب التخلي عن صنم القدسية ومحاكمة الواقع بعقل موضوعي لا يخشى أن يقر بالهزيمة ليتحرر من قيودها، فإقرار اليابان والصين وألمانيا بهزائمها، واعترافها بواقعها أسس لمرحلة وعي حقيقي وواقعي مهد الطريق لإبداعات العقل الجمعي بالتحول من الخراب إلى الازدهار. المعرفة باب للأجيال المقبلة، وعلينا أن نؤمن بالأجيال الطالعة بعدنا، فنؤسس لها بنى فكرية وعقلانية تساعدها على الازدهار، لا أن نقاتل بها فداء لمشروع انقضى وجُلّ ما بقي منه دريئة يستفيد منها من يسعى لتطوير أجياله الصاعدة على حساب أبنائنا.

إن القضية هي حق شعبنا بالحياة، والحياة ليست عيش الأنعام، ولا يؤسس المستقبل على الماضي، بل بتجاوز خوف الماضي واستقبال مخاطر الآن بوعي وحكمة. على جيلنا، الجيل المولود من رحم الحرب، الذي أنبتته النار ونشأ يلملم من سخام الأرض دثاره، على هذا الجيل أن ينظر إلى الجيل الطالع بعده، ويُمهِّد له وينشد مع أدونيس:

هذا الجيل الطالع بعدي مثلَ هدير الأشياءِ

هذا الجيل وقفتُ عليه كل غنائي

لم يُولد بعد، ولكن ها هو ينبض في أعماق الوطن

ها هو يحرق ثوب العفَنِ.

ها هو ينقب سدّ الأمسِ،

بيد الشّمسِ،

ذاك الجيل الطالع بعدي مثل الماءِ

مثل هدير الأشياءِ.