بشارة جرجس

حين يصبح حلم "جبل لبنان" مسؤولية وجودية لاستعادة الدور، لا محاولة هروب من الدولة

7 دقائق للقراءة

سمعنا في الأسابيع الماضية سلسلة مقاربات تستهدف، عن قصد أو عن جهل، فكرة قيام كيان مسيحي منظَّم في جبل لبنان. بعضها يلبس ثوب الحرص، وبعضها الآخر يفضح جهلاً بالتاريخ والجغرافيا وبأسس التجارب الاجتماعية والسياسية اللبنانية، فيما يحمل بعضها نزعة عدائية مقنّعة تُعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي استُخدم ضدّ المسيحيين منذ القرون الماضية حتى تاريخنا المعاصر: تخوينهم، وتخويفهم من أنفسهم، وتجريم أي محاولة لتنظيم وجودهم، واتهامهم بالانعزال كلما طالبوا بحقّهم في البقاء.

ولأن النقاش يفرض العودة إلى جذور المسألة لا إلى قشورها، يمكن وضع مجموعة قواعد أساسية:

1. مجتمع جبل لبنان، جغرافياً من الشمال إلى حدود الجنوب، ليس كتلة حزبية بل الامتداد الطبيعي للكيان التاريخي للمسيحيين

منذ الإمارة، مروراً بالمقاطعات، وصولاً إلى متصرفية جبل لبنان، لم يكن الوجود المسيحي مجرّد تجمع انتخابي أو حزبي، بل نسيجاً عميقاً من جماعات سياسية وثقافية متعدّدة تتقاطع عند نقطة واحدة: حماية الجبل بوصفه مساحة حرية وأمان وقرار مستقل. هذا النسيج نفسه، بما فيه من كتائب وقوات وأحرار وأرمن، ومن انتقلوا في مراحل معيّنة إلى التيار العوني، ومن هم خارج الأحزاب كلياً، يشكّل اليوم المادة الاجتماعية لأي مشروع جديد. فالكيانات التاريخية لا تُبنى على مجتمعات مصطنعة، بل على جماعة تمتلك ذاكرة مشتركة، وخبرة في الإدارة الذاتية، ووعياً متراكماً بأنّ الجبل كان على الدوام حصنها الأخير والوحيد عند كلّ منعطف وجودي.

2. الحلم السياسي ليس ترفاً، بل امتداداً لوظيفة الكيان ودوره التاريخي

منذ أن اعترف العالم بلبنان الكبير دولة “ذات رسالة”، كان للمسيحيين دور واضح: إنتاج نموذج دولة دستورية مدنية، لا تابعة ولا تتبع لغيرها. وحين تراجع هذا الدور، بدأ الانهيار التدريجي: تآكل المؤسسات، انهيار الإدارة، انتشار السلاح غير الشرعي، واتساع دائرة الهيمنة الفلسطينية والسورية ثم الإيرانية على القرار. من دون حلم سياسي منظَّم، يتحوّل المجتمع إلى كتلة بشرية بلا أفق، كما هو الحال اليوم للأسف. الحلم هنا ليس وهماً، بل عودة إلى الوظيفة الأصلية: حماية الحرية، بناء الإدارة، تنظيم الأرض، وترسيخ السيادة الفعلية داخل نطاق قادر على الصمود.

3. تاريخ لبنان يعلّمنا قاعدة ثابتة: المسيحيون يُهَمَّشون عند كلّ تسوية كبرى

من سايكس–بيكو، إلى 1958، إلى اتفاق القاهرة، إلى الطائف، كان الثمن يُدفع دائماً من رصيد المسيحيين، لأنهم الطرف الأقل تأثيراً، والأقل امتلاكاً للسلاح والمال والقدرات والمقدرات. واليوم، في ظل ازدحام الطاولات الإقليمية، من واشنطن والرياض إلى طهران، يصبح المسيحي الذي لا يمتلك مشروعاً واضحاً ومؤسسة سياسية منظَّمة مجرّد رقم هامشي في معادلات أكبر منه. التاريخ يقول بوضوح: ليس مسموحاً لجماعة أن تبقى "عنصراً متلقّياً" ينتظر ما يُفرض عليها من الخارج. ومن لا يحمي نفسه، لن يحميه أحد.

4. الاتحادية ليست نزوة، بل عودة إلى منطق الكيانات التاريخية التي قام عليها لبنان

قبل مئة عام من ولادة الدولة، كان جبل لبنان كياناً إدارياً مستقلاً بإجماع القوى الدولية، لا انقساماً ولا انفصالاً. المتصرفية كانت نموذجاً فدرالياً ناجحاً قبل ظهور المصطلح نفسه: قضاء ذاتي، نظام مالي محلي، إدارة محلية، وتمثيل خارجي مشروط. فهل نصبح نحن انعزاليين إن أردنا إعادة الدور، أم أن من يفرض سلاحه على الدولة ويتحكّم بقرارات الحرب والسلم هو "حامي الوحدة"؟

الاتحادية أو الكونفيدرالية ليست رفضاً للمشاركة، بل محاولة لإنقاذ ما تبقّى من الدولة عبر تنظيم التعدد بدل دفنه تحت هيمنة واحدة.

5. لا يُبنى المستقبل بندمٍ متأخّر، بل بتحضير لأسوأ السيناريوهات

التاريخ القريب يقول:

1975، 1982، 1990، 2005، 2024… المسار واحد: انفجار، تهجير، انهيار، ثم العودة إلى نقطة الصفر. الحدّ الأدنى من المسؤولية يفرض الاستعداد: حماية الوجود في جبل لبنان، بناء مؤسسات محلية قادرة على الصمود، وإنشاء أنظمة أمنية واقتصادية وتعليمية تحفظ الاستمرارية. إنكار الواقع باسم وحدة شكلية سقطت منذ زمن هو خيانة واضحة لحقّ الأبناء في البقاء.

6. لا استقرار من دون توازن قوّة وإدارة: ومن يرفض التوازن يرفض الدولة نفسها

احتكار الدولة للسلاح شرط بديهي لوجودها. وفي لبنان، هذا المبدأ مكسور، ما جعل القرار الوطني رهينة قوة خارج المؤسسات. لذلك، فإن النقاش حول تنظيم الوجود المسيحي في جبل لبنان هو محاولة لاستعادة التوازن السياسي والأمني المفقود، لا لكسره.

7. العيش المشترك لا يقوم على الإكراه بل على التكافؤ

ما يسمّى اليوم "عيشاً مشتركاً" هو عملياً علاقة قسرية غير متوازنة: فريق يقرّر، وفريق يتحمّل الأكلاف. التنظيم الذاتي ليس خروجاً عن الأسس، بل تصحيح لانحراف تاريخي والعودة الى الجوهر: شراكة حقيقية، لا شراكة شكلية.

8. الخصوصية المسيحية ليست امتيازاً بل ضمانة وطنية

كلّما تراجع الدور المسيحي، اختل ميزان الدولة وتحولت الساحة اللبنانية إلى امتداد لصراعات الآخرين. حماية خصوصية جبل لبنان ليست مطلباً فئوياً، بل ضرورة لضمان التوازن ومنع سقوط لبنان في نموذج الدولة التابعة أو الدولة الغوغائية.

9. نموذج جبل لبنان هو الطريق الوحيد إلى دولة حديثة قابلة للحياة

الأنظمة الفدرالية واللامركزية المتقدمة هي إطار الدول المتعددة والناجحة في العالم. إعادة تنظيم جبل لبنان ليست عودة إلى الوراء، بل خطوة نحو نموذج حكم عصري: إدارة رشيدة، مالية شفافة، مؤسسات فعّالة، وأمن محلي منضبط، يشكّل قاعدة لإعادة بناء الدولة على مستوى الوطن.

10. الجماعة التي لا تمتلك مؤسسات تتحوّل إلى جماعة مستضعفة

بين الهجرة، والشيخوخة الديموغرافية، والانهيار الاقتصادي، يصبح غياب المؤسسات خطراً وجودياً. التنظيم السياسي والإداري في جبل لبنان هو انتقال من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن جماعة تنتظر الإنقاذ إلى جماعة تصنع شروط بقائها.

11. الخروج من منطق الخوف إلى منطق الفعل

النقاش الدائر اليوم محكوم بثلاثة مخاوف:

1. خوف من تكرار سيناريو الانعزال،

2. خوف من ردّ فعل الآخرين،

3. خوف من المستقبل المجهول.

لكن الخوف ليس سياسة, والسياسة، كما التاريخ، لا ترحم الجماعات التي تتردّد في تحديد مستقبلها. المطلوب هو الانتقال من عقلية الدفاع إلى عقلية الفعل، ومن ذهنية "ماذا سيقولون؟" إلى ذهنية "ماذا نحتاج نحن كي نبقى؟"

12. لا يمكن بناء دولة فوق أنقاض مجتمع مُستنزف: حماية المجتمع شرط لعودته إلى الشراكة

المسيحيون اليوم يهاجرون، يشيخون، ويفقدون القدرة الديموغرافية والاقتصادية على لعب دورهم التاريخي.

حماية الجبل تعني:

– وقف النزيف الديموغرافي،

– استعادة الثقة،

– إعادة توطين الطاقات،

– تأسيس قاعدة بشرية صلبة يمكن أن تنخرط لاحقاً في مشروع طويل الأمد لحماية مجتمعنا وازدهاره.

دولة بلا مجتمع حيّ هي دولة ورقية.

وجبل لبنان، بنطاقه الجغرافي الواسع، هو آخر قاعدة صلبة متبقية.

13. لا يجوز تسمية انتحار الدولة "وحدة وطنية"

الوحدة هي عكس بقاء كل شيء كما هو. الوحدة هي أن تقوم شراكة عادلة، وإلّا تصبح القناعة بالوحدة وهماً يخدم الأقوى على حساب الأضعف. كل دولة في العالم تسمح بإعادة تنظيم العلاقة بين مكوّناتها حين تصبح المعادلة القديمة غير قابلة للحياة. لبنان ليس استثناءً.

السيادية التاريخية

النقاش حول «كيانٍ للمسيحيين في جبل لبنان» ليس هروباً من الدولة، بل محاولة لاستعادة معناها. وليس مشروع انعزال، بل مشروع شراكة عادلة تُعيد التوازن إلى نظام اختلّ منذ عقود. وهو، قبل كل شيء، انتقال للمسيحيين من موقع الجماعة المستضعفة التي تتلقّى الضربات، إلى موقع الجماعة المنظَّمة التي تفرض احترام وجودها، وتحمي حدودها، وتؤسّس عقداً سيادياً جديداً ينسجم مع تاريخ جبل لبنان ودوره، لا مع واقع السلاح المفروض والأمر الواقع المهيمن.