الدكتور سايد حرقص

جبران باسيل: الانتقام من ثورة 17 تشرين أوّلًا

4 دقائق للقراءة

​منذ اندلاع ثورة 17 تشرين عام 2019، وجد جبران باسيل نفسه في قلب العاصفة الشعبية، إذ تحوّل إلى أحد أبرز رموز الفساد في المنظومة الحاكمة. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في 2026، بدأ باسيل باكرا بشنّ حملة سياسية مُنظَّمة على جمهور 17 تشرين، ليس فقط لإعادة التموضع السياسي، بل في محاولة واضحة للانتقام من تلك اللحظة المفصلية التي أسقطت صورته في الشارع وحوّلته إلى نموذج للفساد اللبناني.

​يعتمد باسيل على فرضية أن الذاكرة الشعبية اللبنانية قصيرة وأن زخم الثورة قد خفت، وأن الوقت قد حان لاسترجاع ما فقده. وبناءً على ذلك، افتتح حملته الانتخابية مبكراً بخطوات مكثفة لإعادة فرض نفسه لاعباً أساسياً على الساحة. وهو يستعين في ذلك بـ"ذباب إلكتروني" مبرمَج وماكينة دعائية تتبنى نهجاً يقوم على التضليل، يذكّر بأساليب وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز القائمة على مبدأ: «اكذب، اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس».

​يحاول باسيل وفريقه الإعلامي ليّ عنق الحقيقة عن طريق فتح ملفات بطريقة ملتوية. فبينما يهاجم خصومه بتسليط الضوء تارة على ملفات الحرب القديمة، او يحمّلهم تارة أخرى نتائج أعماله وإخفاقاته مثل انقطاع الكهرباء والماء وسوء الاتصالات، في محاولة يائسة لطرح نفسه كـ"الضحية"بدلاً من كونه أحد الأسباب الرئيسية للانهيار. هذه الحرب الدونكيشوتية ليست مجرد مناورة إعلامية عابرة، بل هي مشروع سياسي تضليلي يهدف إلى إعادة كتابة السردية الوطنية لمرحلة ما بعد 2019.

​يستغل باسيل مشهد الاضطراب الداخلي والإقليمي ليقدّم نفسه كـ"زعيم محاصَر" وصوت سياسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية. إنه يستثمر التوترات لإحياء لغة "الميثاقية" و"الحقوق" الطائفية، في محاولة لإعادة شدّ العصبية الشعبية التي تآكلت بفعل الأزمة الاقتصادية وكشف زيف خطابه الإصلاحي الذي تبناه لسنوات.

​هو يمارس لعبة التوازن السياسي بين أقطاب متناقضة: فبين ناجي الحايك المعروف بمناهضته لحزب الله ومنصور فاضل المدافع عن سلاح حزب الله، يلعب باسيل بخيوط السياسة ببراعة المهرّج في السيرك، محاولاً إرضاء الجماهير على اختلاف توجهاتها. ​من ناحية، يحاول إيهام الجمهور السيادي بأنه مع السيادة ونزع السلاح ​ومن ناحية أخرى، يطمح إلى ابتزاز حزب الله المأزوم عبر الحفاظ على خيط رفيع في علاقته معه: لا قطيعة كاملة، ولا تحالف كامل، بل توازن يتيح له الضغط للحصول على أصوات الناخبين الشيعة التي يحتاجها للفوز ببعض المقاعد النيابية.

​إن التهديد الأكبر الذي يواجه مشروع باسيل اليوم هو الوعي الفكري الجديد الذي نشأ من قلب ثورة 17 تشرين. هذا الوعي الشعبي كسر الاصطفافات التقليدية واستقطب شرائح واسعة كانت ضمن جمهور التيار، خالقاً دينامية متطورة للمحاسبة والاختيار أسقطت الأوهام وحررت الضمائر.

​لهذه الأسباب، يعمد باسيل إلى شنّ حرب مباشرة ضد ثورة 17 تشرين، مصوِّراً إياها كقوى غير ناضجة أو أدوات خارجية. هدفه واضح: تفريغ الثورة من معناها، إضعاف رموزها، وكسر شرعيتها السياسية، كي يعود المشهد إلى المعادلة القديمة التي تضمن بقاءه.

​لكن الواقع ليس سهلاً، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ليست بالأمر اليسير. فمزاج الشارع تغيّر، والقدرة على تعبئة الجماهير تراجعت، والخطاب الإصلاحي فقد مصداقيته بفعل الانهيار الهائل الذي ضرب البلاد نتيجة فساد من ادّعى الإصلاح.

​جبران باسيل يشنّ اليوم حرباً سياسية متعددة الاتجاهات، هدفها الحقيقي ليس مجرد المناورة في الاستحقاقات المقبلة، بل الانتقام من اللحظة التي هزّت موقعه السياسي والشعبي: لحظة 17 تشرين. لكنه يخوض هذه المعركة في بلد تغيّر جذرياً، وفي شارع لم يعد يقبل بسهولة بعودة الخطاب القديم ولا بإعادة تدوير الوجوه نفسها.

​هل ينجح باسيل في استعادة الشعبية التي سقطت بسبب الفساد وسوء إدارة المشاريع الكبرى؟ بالرغم من أن نتائج الانتخابات الطلابية والنقابية كشفت عن ضمور حالته الشعبية، فإن الانتخابات النيابية المقبلة ستكون الكاشف الحقيقي: هل هي حرب استعادة الموقع الشعبي... أم آخر حروب بائع الأوهام؟ .