في زمن الضجيج، اختار الممثل جاد أبو علي الصّمت، ليس انسحابًا بل تمهيدًا لبوحٍ مختلف. فبعد غياب عامَين عن المقابلات والإطلالات الإعلاميّة المطوّلة، عاد أبو علي هذه المرّة لا كممثل على الشاشة، بل ككاتبٍ على الورق، حاملًا كتابه الأوّل "Reel ع ورق" الذي يصفه مؤلّفه بأنه "غريب بفكرته، وأغرب بتجربته". الشهر الماضي، وقع الممثل الشاب إصداره المكتوب بحضور لفيف من الأصدقاء، مسطِّرًا بذلك فصلًا جديدًا في مساره المهنيّ، عنوانه: "الكتابة".
منذ السطر الأول، يبدو جليًّا أن جاد أبو علي الكاتب، لم يكتفِ بالتأليف بمعناه التقليديّ، بل أراد إحداث خرق حقيقيّ في الشكل قبل المضمون، وتقديم عمل يعبّر عن رؤية جماليّة وفكرية مختلفة عمّا اعتاده القارئ، على ما يقول أبو علي في حديثه مع "نداء الوطن". المشروع انطلق من رغبةٍ عميقة في مقاومة الإيقاع السريع الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، وما تبعه من إنهاك جسديّ وتشتيت فكري، لذا أراد المؤلِّف الشاب أن يكون كتابه الأول بمثابة لحظة صمتٍ في ضجيج العالم، وفسحة يستعيد فيها القارئ تركيزه وهدوءه الداخليّ. فالفكرة، كما يشير صاحبها، لا تقوم فقط على ما يُقال في النص، بل على الطريقة التي يُقدَّم بها هذا النصّ، أي على العلاقة التي يُقيمها القارئ مع الكتاب نفسه.
عنوان من روح العصر
أمّا عن سبب اختياره "Reel ع ورق" عنوانًا لكتابه، فيوضح أبو علي أن الفكرة وُلدت من رغبته في ابتكار أسلوب جديد للتواصل مع القارئ، مستوحى من لغة الجيل الرقميّ ولكن بروح الورق. العنوان، يجسّد الميزة الأساسية في الكتاب: نقل روح مقاطع الـ "ريل" إلى الصفحات المطبوعة بطريقة تفاعلية وممتعة تبعد القارئ عن الملل. لكن "يبقى السرّ في الكتاب نفسه" بحسب ما يؤكّد الكاتب الشاب، في إشارة إلى أن ما ينتظر القارئ بين الصفحات هو المفاجأة الأجمل.
تفاعل على الورق
من الأفكار اللافتة التي يتناولها جاد أبو علي في عمله الجديد، ابتكار ما يصفه بـ "أسلوب جديد للقراءة"، في محاولة منه لتغيير موقع القارئ من متلقٍ سلبيّ إلى شريكٍ فعليّ في إنتاج المعنى. يعتمد هذا التصوّر على فكرة أن الكتاب ليس مساحة مغلقة، بل فضاءً مفتوحًا على احتمالات متعدّدة يُمكن للقارئ أن يملأها بتأمّلاته وملاحظاته وتجاربه الخاصة، بعيدًا من صخب الشاشات وسرعة العالم الافتراضي.
ويشير أبو علي إلى أن باكورته في مجال الكتابة تتضمّن "أسرارًا قد تصدم القارئ"، ما أثار فضولًا واسعًا حول ما يخفيه الإصدار بين صفحاته، خصوصًا أن الممثل والكاتب الشاب عُرف دائمًا بحياته الخاصة البعيدة من الأضواء. لكن يبدو هذا العمل وكأنه كسرٌ متعمّد لتلك المسافة، أو بالأحرى مصالحة مع الذات بعد سنواتٍ من الصمت. فالكتاب يفتح نافذة على الجانب الخفيّ من شخصيّته الذي لم تكشفه الكاميرات ولا اللقاءات الإعلامية، بل تضيئه الكلمات وحدها.
الكتاب مرآة للقارئ
في عبارة تختصر جوهر تجربته الجديدة، يقول أبو علي إن "القارئ سيكتشف نفسه بين الأوراق"، ويرى أن الكتاب ليس مجرّد مساحة يعبّر فيها المؤلِّف عن ذاته، بل مرآة صافية يستطيع القارئ أن يرى فيها ملامحه الخاصة، وأفكاره ومشاعره. فهو لا يسعى إلى أن يكون مؤلِّفًا يقدّم أفكاره فحسب، بل صديقًا حقيقيًا يرافق قارئه في رحلة تأمُّل وصدق. ذلك أن أبو علي أراد أن يكون "الصديق الذي يبوح بما في داخل القارئ"، أي ذاك الذي يقترب من المساحات الحسّاسة في النفس. ويضيف أن هدفه ليس أن يقدّم دروسًا أو حِكمًا، بل أن يوقظ شيئًا ناعمًا في الداخل، ربما ابتسامة، أو دمعة صادقة، أو حتى لحظة مواجهة مع الذات.
سبب الغياب
نسأل جاد أبو علي عن سبب غيابه الإعلاميّ لأكثر من عامَين تقريبًا، فيجيب أنه كان يكتب بعيدًا من الكاميرات والأضواء، منشغلًا بتجميع شتات التجربة ومراجعة الذات، وبناء عالمٍ أدبي يليق بما يريد أن يقوله بعد كلّ ما عاشه. ففي الحقيقة، لم يكن غيابه فراغًا، بل امتلاء من نوعٍ آخر. وقد اختار أن يختفي ليحضر بطريقةٍ أعمق، وأن يصمت ليقول أكثر.
ويؤكّد أبو علي أنه لا يتعامل مع الكتابة كعملية تقنية منضبطة، بل كرحلة شعورية تتأرجح بين الفوضى والإلهام. بالنسبة له "التخطيط المسبق يقتل العفوية، والنص الحقيقي يولد من اللحظة، لا من القوالب الجاهزة"، ويصف الكتابة بأنها صراع جميل بينه وبين الحياة، لا تخلو من الشغف والصدق.
رحلة إصدار الكتاب التي امتدّت نحو عامٍ كامل، تخللتها فترات متناقضة من الحماس والسكينة، كتب خلالها كمن يركض خلف المعنى تارة، وابتعد تارةً أخرى ليمنح النص فسحته لينضج.
بين الممثل والكاتب
يحاول الجمهور دائمًا أن يكتشف أيّ الوجوه أقرب إلى جوهر جاد أبو علي، هل هو وجه الممثل أو وجه الكاتب، لكن الممثل والكاتب الشاب لا يحبّذ التصنيفات، ويقول: "لا أستطيع حصر الكتاب تحت عنوانٍ محدّد... إنه أنا. فلنكتشف معًا تلك المساحة". بهذه العبارة، يذيب الحدود بين الممثل والكاتب، بين الفن والحياة، بين ما يُرى وما يُخفى. فكتابه ليس مجرّد انتقال من التمثيل إلى الأدب، بل هو امتدادٌ طبيعي لشخصٍ يبحث عن ذاته في كلّ شكلٍ من أشكال التعبير.
مشاريع مستقبلية
ورغم انشغاله بالكتابة، يؤكد جاد أبو علي أن الفن لا يفارقه، مشيرًا إلى أحد مشاريعه المقبلة: "أستطيع الإفصاح فقط عن واحدٍ منها بشكل عام، وهو دَور تمثيليّ خاص سيكون ضمن السباق الرمضاني المقبل". لكن ماذا عن احتمال تقديم عمل مأخوذ عن كتابه مستقبلًا؟ يكتفي بالإجابة: "من قواعد المفاجأة... السرّية". بذلك، يترك جاد أبو علي المجال مفتوحًا بين الغموض والأمل، وبين الممكن والمفاجئ، محافظًا على عنصر التشويق الذي يرافق كل خطواته الفنية.
فيروز التي غيّرت المسار يستعيد جاد أبو علي من بداياته الفنية عام 2015، ذكرى تُشبه الحلم، فيكشف لـ "نداء الوطن" عن رسالة غير متوقعة وصلته من السيدة فيروز، حملت يومها إشادة بأدائه في أحد المسلسلات. يصف أبو علي رسالة الفنانة الكبيرة إليه بأنها "أعظم شهادة ترافقني كلّما سمعت كلمة "Action" في بداية تصوير أي مشهد تمثيلي". تلك الرسالة كانت ضوءًا غيّر مسارَه، وكانت سببًا أبقاه في عالم الفن بعدما كان يفكّر بالابتعاد. ومنذ ذلك اليوم، حمل مسؤولية الحفاظ على ثقة نادرة من "سيّدة الأرز"، وعندما التقاها لاحقًا خلال تقبّلها العزاء بنجلها الراحل زياد الرحباني قبل أشهر، اكتفى بالابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيها، معتبرًا إياها أصدق ردّ جميل، ومحتفظًا بما دار بينهما في تلك اللحظة كَسِرٍ يسكن قلبه. |