في كل لحظة مفصلية من تاريخ الأمم، تكون الكلمة الفصل للشعب. قد تتدخّل الدول، وقد تتصارع المصالح، وقد تتبدّل موازين القوى، لكن ما لم ينهض الداخل، لا الخارج يستطيع أن ينقذ ولا السلطة تستطيع أن تستمر.
وهذه ليست شعارات، بل حقائق أكّدتها التجارب السياسية الكبرى عبر التاريخ.
لم تكن الثورة الفرنسية مؤامرة خارجية ولا تسوية دولية، بل كانت انفجارًا شعبيًا كاملًا ضد نظام قائم. في ذلك الحين، الشعب هو من أسقط الاستبداد، هو الذي غيّر قواعد اللعبة وأطلق مفهوم السيادة الوطنية وهو من فرض معادلته.
ومنذ ذلك الزمن، بات واضحًا أن أي تغيير لا يبدأ من داخل المجتمع، محكوم بالفشل مهما كان حجم الدعم الخارجي.
من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا القاعدة نفسها. في الهند مثلًا لم تستطع الإمبراطورية البريطانية الصمود أمام نضال شعبي سلمي منظّم. في جنوب إفريقيا، لم يُسقط الفصل العنصري اجتماع سفراء، بل ملايين قرّروا المواجهة. كذلك في أوروبا الشرقية، سقطت أنظمة شمولية لأن شعوبها قالت “كفى”. لذلك يمكننا القول انّ التغيير قرار داخلي والدعم الخارجي مجرّد عامل مُساعد، لا صانع مصير.
بعد عام 2005، بدأت معركة طويلة بين مشروعين وعاد لبنان ليكون ساحة مواجهة بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة، بين السيادة والهيمنة، بين الشرعية والسلاح الخارج عن الشرعية. ووسط هذا المشهد، برزت القوى التي تبنّت الخط السيادي، وفي مقدمتها القوات اللبنانية التي عادت إلى الحياة السياسية بعد سنوات من المنع والاعتقال والتطويق، لتبدأ مسارًا سياسيًا واضح المعالم.
منذ اللحظة الأولى لعودتها إلى العمل السياسي في عام 2005 تبنّت "القوات اللبنانية" خيارًا واحدًا هو استعادة الدولة. هذا المشروع لم يكن مجرد خطابًا، بل بدأ يترجم تدريجيًا عبر التوسّع النيابي، فمن دورة إلى أخرى، عزّزت "القوات اللبنانية" حجم تمثيلها، وأصبحت واحدة من أكبر الكتل النيابية السيادية، ما وضعها في موقع متقدّم لطرح مشروع الدولة ومواجهة منطق الغلبة.
امّا في الحكومات المتعاقبة، فعملت "القوات اللبنانية" على ملفات إصلاحية حسّاسة، وواجهت منطق المحاصصة، وكشفت علنًا مسارات التعطيل التي تمنع الدولة من النهوض. وجودها الوزاري كان سياسيًا أكثر منه تقنيًا، مواجهة مشروع يهيمن على القرار الوطني ويعطّل مؤسسات الدولة.
خاضت "القوات اللبنانية" معارك كبرى كالدفاع عن منطق الدولة ومواجهة محاولات السيطرة على المؤسسات والسعي لرئاسة جمهورية إصلاحية سيادية كما التصدي لسياسات اقتصادية كارثية كانت ستقود البلد إلى الانهيار وقد قادته فعلًا عندما لم تُؤخذ التحذيرات بجدية من خلال عدة مؤتمرات اقتصادية مالية وإصلاحية قدمت من خلالها خطة اقتصادية للدولة لم تلتزم بها
وبالرغم من التهديدات، الاغتيالات، الضغوط، ومحاولات العزل السياسي، بقي تموضعها ثابتًا، لا دولة من دون سيادة ولا سيادة مع سلاح خارج الدولة.
إنّ مواجهة الخطاب الانهزامي الذي يعتبر الشعب كومبارس ومن يقرر عنه هي الدول الكبرى، هذا الخطاب ليس توصيفًا سياسيًا… بل محاولة لشلّ إرادة الناس، ولإقناعهم بأن مصيرهم ليس بأيديهم.
لكن الحقيقة واضحة أمام كل التجارب العالمية فالدول لا تصنع قرارًا داخليًا إن لم يصنعه الشعب أولًا. انّ الخارج قد يضغط، قد يفاوض، قد يساعد، لكن الخارج لا ينتج أكثرية نيابية، لا يصنع رأيًا عامًا، لا يغيّر نتائج انتخابات ولا يفرض مشروع دولة على شعب لا يريده أو لا يصوّت له.
عندما يمنح اللبنانيون الأكثرية للقوى السيادية، يصبح الخارج مستعدًا لدعم مشروع الدولة، لا لفرض مشروع آخر. وعندما يسمح الداخل للمشروع النقيض بالتمدد، تصبح أي مساعدة خارجية بلا جدوى.
اذًا القرار هنا، في الصندوق، في الصوت، في الاختيار.
لبنان اليوم في انهيار سياسي واقتصادي ودستوري. الدولة تتفكّك، المؤسسات تتآكل، والفراغ يتمدد لأن ميزان القوى النيابي الحالي عاجز عن إنتاج سلطة قادرة.
لذلك فالانتخابات ليست ترفًا بل إنقاذًا فهي ستعيد تكوين السلطة، ستسمح بقياس الإرادة الشعبية الفعلية. فالانتخابات وحدها قادرة على إنتاج أكثرية واضحة تُنهي زمن التعطيل وتعطي شرعية وطنية لقوى قادرة على استعادة القرار.
وبدون انتخابات، يبقى الوضع معلّقًا بين وصايات متداخلة وتعطيل داخلي دائم.
إنّ الشعوب التي تنتظر الخارج لتغيير واقعها تبقى أسيرة انهيارها. والشعوب التي تثق بقوتها النيابية والسياسية تغيّر موازين القوى مهما كان خصمها قويًا.
لذلك لبنان اليوم أمام فرصة لتكرار ما فعلته شعوب العالم، فهو مدعو لأن يقرّر مصيره بنفسه عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة وأن يعطي الأكثرية للقوى السيادية والإصلاحية، ليستعيد الدولة، بالشعب أولًا وبالتعاون مع الخارج ثانيًا. في الوقت الحالي هذا هو الطريق الوحيد للخروج من الانهيار وبناء الجمهورية القوية.
فهل يستجيب الشعب ويغيّر الواقع السياسي عبر المشاركة الكثيفة في الانتخابات النيابية؟ وهل يقتنع انّ مصير الشعوب يصنع بأيديها؟
ناشطة سياسية واجتماعية