جوزيف حبيب

"مهرّج كاراكاس" يرقص الرومبا على حافة الهاوية

5 دقائق للقراءة
مادورو ملوّحًا بسيف سيمون بوليفار الثلثاء (رويترز)

يشعر الرئيس الفنزويلي غير الشرعي نيكولاس مادورو في أعماقه بأن أيّامه على رأس هرم السلطة غدت معدودة. لكن جنون العظمة عند الديكتاتوريين أو خوفهم من المصير الأسود وفقدانهم نفوذهم وامتيازاتهم، تعمي بصيرتهم وتجعلهم منفصلين عن الواقع ومتمسّكين بعروشهم المغتصبة. يكثف مادورو تنظيم تجمّعات ومسيرات شعبية ومناسبات حزبية، ليَظهر بصورة القائد الصامد. فيرقص رقصة الرومبا اللاتينية أو يقوم بحركات بهلوانية، يبدو خلال تأديتها كمن فقد صوابه، بهدف تنفيس توتره النفسي وطمأنة جمهوره، والهروب، ولو لفترة وجيزة، من الاستحقاقات الداهمة التي تنتظر نظامه الفاسد. بيد أن التهريج والاستعراض والتلويح بسيف سيمون بوليفار لرفع معنويات مؤيّديه اليساريين، لن تجدي نفعًا عندما تحين لحظة الحقيقة.

لم يخجل من زوّر الانتخابات الرئاسية العام الماضي ليمدّد إقامته في قصر ميرافلوريس، من التحدّث هذا الأسبوع عن أن "الوطن يتطلّب منا بذل أقصى الجهود والتضحيات"! يهيّئ مادورو أنصاره لاحتمال دفع فاتورة دم لكي يحافظ هو ونخبة من "ضباط النظام" الخائنين للشرعية الشعبية على مقاليد الحكم. يحاول المتعاطفون مع قوى "محور الشرّ" الترويج بأن أميركا تريد التدخل عنوة في شؤون فنزويلا الداخلية وإسقاط مادورو بالقوّة، للإيحاء وكأن القضية متعلّقة بعدوان خارجي مرجّح على دولة ذات سيادة فحسب، إنما ما يتجاهلونه أن الشعب الفنزويلي كان أوّل من وجّه صفعة سلمية على وجه مادورو في صناديق الاقتراع، لكن صوته لم يترجم في عملية انتقال سلمي للسلطة، بل زيّف وقمع وأهين.

لم تتوان "أيقونة" المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، الفائزة بجائزة "نوبل للسلام" للعام 2025، عن دعم الحشد العسكري الأميركي الهائل في منطقة البحر الكاريبي، وتأييد اتهام واشنطن لمادورو بترؤس كارتيل المخدّرات "دي لوس سوليس"، الذي صنفته أميركا أخيرًا "منظمة إرهابية أجنبية". تعتبر ماتشادو أن بلادها المأزومة تقف على "أعتاب عهد جديد"، وتتمنى تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة، ومحاسبة كلّ من ارتكب جرائم ضدّ الإنسانية. لمَن تناسى، فقد مُنعت ماتشادو من الترشح ضدّ مادورو، بعدما هاب النظام التشافيزي نجمها اليميني الصاعد. لكن ذلك لم يمنعها من دعم المرشح إدموندو غونزاليس، الذي حقق نصرًا كاسحًا في الانتخابات الرئاسية. بيد أن مادورو، المهووس بمواجهة "المؤامرات والإمبريالية"، نصّب نفسه رئيسًا بمعونة أركان عصابته التي أفلست البلاد وأفقرت الفنزويليين وهجّرت الملايين منهم.

لو سلّم نظام مادورو باللعبة الديمقراطية، وهذا أمر شبه مستحيل نظرًا إلى تركيبته العقائدية والزبائنية، لكانت فنزويلا انتخبت ماتشادو رئيسة، وصحّحت علاقاتها مع أميركا والغرب، وأطلقت مسار التعافي السريع، ولما كان ترامب اتخذ قرارًا بإرسال تعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة. بفعل نهج النظام الاشتراكي الفاشل، تقاطعت مصالح المعارضة الفنزويلية مع تلك الخاصة بواشنطن. فالمعارضة تعمل على إسقاط نظام مستبدّ حوّل فنزويلا الغنية بمواردها الطبيعية وصاحبة أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، إلى دولة تافهة، فيما تضغط أميركا أيضًا لإطاحة مادورو أو "تركيعه" بغية تحقيق مجموعة من الأهداف الجيوسياسية في "حديقتها الخلفية". فالتخلّص من مادورو يشرّع الباب العريض أمام الشركات الأميركية لاحتكار الاستثمارات في قطاع الطاقة الفنزويلي وغيره من القطاعات، وإخراج منافسي أميركا الاستراتيجيين من البلاد، وتحديدًا الصين وروسيا وإيران.

وبذلك، يصبح بإمكان أميركا مثلًا، الطلب من حلفائها الذين سيتولّون الحكم في "فنزويلا الجديدة"، رفع إنتاج البلاد من النفط بشكل كبير وضخه في الأسواق العالمية، ما يساهم بخفض أسعاره كما يرغب ترامب والمستهلك الأميركي. بإزاحة مادورو من المشهد في كاراكاس، توجّه الولايات المتحدة ضربة قاسية للمحور الدولي المناوئ لها، من بكين مرورًا بموسكو وطهران، وصولًا إلى هافانا وماناغوا. سيُضعف سقوط مادورو، نظام الملالي المتهالك وأذرعه المنهكة في الشرق الأوسط، في أصعب ظرف على الإطلاق بالنسبة إليهم، إذ ستقطع لهم واشنطن شريانًا حيويًا هو جزء من شبكة تمويل معقدة، يشرف عليها ويديرها "الحرس الثوري"، ويؤدّي فيها "حزب الله" دورًا محوريًا.

كما أن القضاء على حكم مادورو، سيبعث برسالة شديدة اللهجة إلى الأنظمة المعادية لأميركا في المنطقة، كتلك التي تحكم كوبا ونيكاراغوا. ولا تقف المسألة عند هذا الحدّ، بل تتعدّاها إلى بقية الدول، خصوصًا تلك التي تعتبر منتجة للمخدّرات أو ممرًا لها نحو أميركا، ككولومبيا والمكسيك. والرسالة هنا مفادها أن التعاون الوثيق مع واشنطن في ملف مكافحة المخدّرات وتوفير تسهيلات أمنية لها، يصبّ في المصلحة العليا للدول المعنية. شكّل ملف المخدّرات "نافذة" سهلة لأميركا لتضييق الخناق على النظام في فنزويلا، لكنه ليس "عين المعضلة" بطبيعة الحال. يفضل ترامب تحقيق مبتغاه في فنزويلا من دون الانزلاق نحو الحرب وإراقة الدماء. بيد أن الاستحقاق المنتظر يبقى محفوفًا بالمخاطر، فإخفاق أي محاولة لإطاحة مادورو أو الاكتفاء بتنفيذ ضربات جوّية وبحرية محدّدة تستهدف البنى التحتية في فنزويلا، قد يشدّد قبضة مادورو على الحكم.

في كلّ الأحوال، يقف مادورو اليوم على حافة الهاوية وهو يأمل ألا تهبّ العاصفة أو أن يصمد عند وصولها. وبصرف النظر عن خطوات واشنطن المقبلة وتداعياتها، فإن غالبية الفنزويليين عرّت النظام الاشتراكي من الشرعية الداخلية. إن كان لدى مادورو ولو الحدّ الأدنى من حسّ المسؤولية تجاه شعبه، سيوافق على عملية انتقال سلس للسلطة لإبعاد شبح الفوضى والحرب عن فنزويلا. لكن لا يبدو أن التنحي خيار وارد بالنسبة إلى مادورو، وما هو مؤكد، أن التاريخ لن يرحمه إذا تسبّب بخراب إضافي لبلاده المتعطّشة إلى الحرّية، من أجل التشبّث بكرسيه البوليفاري.