ريتا عازار

البابا لاوون الرابع عشر... صمته يعيد رسم معنى القيادة

7 دقائق للقراءة

البابا الجديد على "كرسي بطرس" لاوون الرابع عشر، في لبنان، محمّلًا بصلاة صامتة في موقع انفجار مرفأ بيروت، هو الخبيرُ في الصمت والذي عرف كيف يصغي لآهات المدن الجريحة. هناك على "البور"، سيجتمع الرماد والرجاء لاستذكار أقسى لحظات العاصمة، وفي قلوب أبناء "بلاد شربل الناسك"  و "يعقوب راعي المهمّشين"، قد تبقى تلك الوقفة المتأمِّلة الضارعة هي اللحظة الأعمق في زيارته لبنان.

حين خرج الكاردينال روبرت فرانسيس برِفوست إلى شرفة البازيليك مساء 8 أيار 2025، لم يدرك كثيرون أن الكنيسة الكاثوليكية تستقبل لحظة مفصليّة في تاريخها الروحي. بدا الرجل الهادئ المولود في أسرة متديّنة والمشكَّل داخل التقليد الأوغسطيني، كأنه يحمل معه إلى ساحة القديس بطرس نسيمًا غير صاخب، روحًا أقرب إلى العالم الداخلي منها إلى الأضواء، فيه قوة حازمة إنما ناعمة، اختار اسم لاوون الرابع عشر، لكنه ظهر بمزاج الراهب أكثر منه بصورة الحاكم، وبخطواتٍ واثقة لكن غير استعراضية. ذلك المزيج بين الثقل الرمزي للمنصب والهدوء الشخصي للرجل، هو الخيط الذي تَشَكَّل منه هذا البابا الجديد: رجلٌ يحمل سلطةً كبرى، لكنه يتقدّم بها في هدوءٍ كامل، كأنه يحاول ألّا يُحدِث ضجيجًا في العالم.


تكوين أوغسطيني

كان انتماؤه المبكّر إلى الرهبنة الأوغسطينية نقطة انعطاف حدّدت مسار حياته. منذ نذوره الأولى عام 1978، ثمّ نذوره الدائمة عام 1981، تربّى على الروح التي تجعل من الفقر المشترك والحياة الجماعية والعودة الدائمة إلى باطن النفس، طريقًا إلى الله. هذه التربية الروحيّة لا تُخرِّج رجالًا يميلون إلى الاستعراض، بل رجالًا يفضلون التأمُّل على الخطابة والسير الهادئ على الخطى المتعجّلة.

أمضى البابا لاوون الرابع عشر سنوات طويلة في العمل الرسولي في البيرو، حيث تعلّم الإصغاء قبل الكلام، و "مرافقة الأضعف" قبل اتخاذ القرارات. هناك، وسط جماعات فقيرة ومهمّشة، ترسّخت لديه قناعة عميقة بأن الخدمة ليست شعارًا بل حركة يومية، وأن السلطة حين تُجرَّد من روحها الرعوية تتحوّل إلى عبء فارغ. لهذا لم يكن مستغرَبًا أن ينظر إليه الكثيرون بعد انتخابه، بوصفه "البابا المُتوَّج بالصمت".


يوميّات يسكنها الهدوء

منذ يومه الأول في السدَّة الرسولية، بدأ لاوون الرابع عشر يُظهر إيقاعه الخاص، لم يخرج بخطاب سياسي ضخم ولا بعبارات تُشعل الحشود، بل وقف صامتًا، منحنيًا، يطلب صلاة الناس. لحظة بسيطة، لكنها تختصر فلسفته بأن الصمت ليس انسحابًا بل قرب من الله والآخرين. وينصح الشباب بأن يخصّصوا لحظات صباحية ومسائية للحديث مع المسيح وللإصغاء إلى ذاك "الصوت الخفيف" الذي لا يُسمع إلا حين يهدأ العالم.

يومه، بحسب المقرّبين، مليء بمحطّات الصلاة الصامتة، وبانحناءة أمام روتين الفاتيكان الصاخب. هكذا يتحوّل الصمت لديه إلى أسلوب عيش، لا إلى موقف طارئ.


لا يحبّ السلطة ولا يهرب منها

ليس من السهل الجمع بين موقع سلطة كبرى وروح تُفضل الإصغاء على إصدار الأوامر، لكن لاوون الرابع عشر يحاول ترسيخ هذا التوازن. فقد دعا، بعد أيام من انتخابه، إلى اجتماع موسّع مع الكرادلة طالبًا مشورتهم قبل اختيار مسؤولي الدوائر الفاتيكانية.

في مؤسّسة قديمة وهرميّة، لم يكن هذا مجرّد إجراء إداريّ، بل رسالة تقول: إن السلطة ليست تفويضًا مطلقًا بل شراكة في التمييز واتخاذ القرار. لذلك يوصف بأنه رجل "يحمل السلطة" ولا "يتشبّث بها". يقودها، لكنه لا يستخدمها لبناء صورة ذاتية. ويُصرّ على وصف نفسه بـ "الخادم"، مفضلًا لقب "أسقف روما" على لقب "الأب الأقدس"، في دلالة على فهم مختلف لبنية السلطة الكنسية.


جمالية بلا بهرجة

في الجانب الاحتفالي، لا يثور لاوون الرابع عشر على التقاليد، لكنه لا ينغمس فيها بروح استعراضية، فهو يرتدي اللباس البابوي التقليدي، لكنه يلبسه ببساطة واضحة.

المتابعون لوثائقه وتقاريره الإعلامية، يشيرون إلى أن قداديسه "ساكنة"، "متزنة"، "عميقة من دون بهرجة". حركاته بطيئة، ونظراته هادئة، ووقفته فيها شيء من رهبة الصمت. كأن الرجل لا يبارك الجماهير فقط، بل يصغي إلى صمتها الداخلي.

يبدو أن هذا الذوق الجمالي الصامت يعود إلى تكوينه الرهباني. فالأوغسطينيون يفضلون لغة القلب على لغة الحركة، والصوت العميق على الموسيقى المرتفعة. ليس غريبًا إذن أن يفضل لاوون الرابع عشر التراتيل الغريغورية، وأن يشجع على تربية موسيقيّة روحيّة تقوم على "عمق الصلاة" لا على الأداء المسرحيّ.


عزلة المنصب

مهما حاول البابا كسر الحواجز، يبقى المنصب محاطًا بوحدة راسخة. فالحاكم الروحي الأكبر يعيش وسط ازدحام دائم، لكنه يبقى من أكثر الناس عزلة. لاوون الرابع عشر يدرك هذا جيدًا، فهو قليل المقابلات والظهور الإعلامي، ودائرة علاقاته الشخصية محدودة. هذا ليس انعزالًا، بل ميل طبيعي نحو التمييز والهدوء.

وتشير شهادات إلى أنه أمضى وقتًا أطول من المعتاد في "قاعة الدموع" بعد انتخابه، كأنه كان يحتاج إلى تلك اللحظة ليضع بين يدَي الله ثِقل الدَّور الذي حُمّل إليه.


إيمان يُبنى من الداخل

ما يميّز لاوون الرابع عشر هو أن خطابه الديني ليس خطاب يقينيّات صلبة، بقدر ما هو خطاب ثقة وتواضع. يكرِّر أن الإيمان لا يعني امتلاك كلّ الإجابات، بل تبنّي موقف اتكاليّ على الله وسط الأسئلة. يشجّع المؤمنين على الحديث الصريح مع المسيح، لا من موقع المتديّن الذي يملك الحقيقة، بل من موقع الإنسان الذي يحمل هشاشته بين يدَي الله.

هذه الرؤية ليست جديدة تمامًا داخل التراث المسيحي، لكنها تأخذ مع البابا لاوون لونًا خاصًا لأنها تنسجم مع تكوينه الأوغسطيني. فـالقديس أوغسطينوس كان يعتبر أن الطريق إلى الحقيقة يمرّ عبر القلب، عبر التوجّه الصادق لا عبر الصياغات العقلية وحدها. ومن هنا كانت عبارة البابا: "في الواحد، نكون واحدًا"، شعارًا يعكس روحًا توحيديّة تبحث عن جمع القلوب لا عن تأكيد السلطة.

وليس أوغسطينوس وحده من يضيء طريق لاوون الرابع عشر، فالرجل ينهل من تريزيا الأفيليّة التي ربطت الكمال الروحي بالقبول العميق لإرادة الله، ومن يوحنا الصليب الذي جعل الحب محورًا للتغيير الداخلي، ومن إغناطيوس دي لويولا الذي علّم تمييز الحركات الداخلية للنفس. إنها شبكة روحية تجعل من "أسقف روما" امتدادًا هادئًا لتقليد روحي عريق.


ماذا تعلّم من أميركا اللاتينية؟

على الرغم من أنه لا يقتبس من كتاب لاتينيين في خطبه، إلا أن تجربته في البيرو طبعت رؤيته بقوّة. هناك تعلّم أن الإيمان ليس نصوصًا فقط، بل حياة يومية، وأن الظلم ليس فكرة بل واقع يعيشه الملايين. لذلك تصطبغ رسائله ومبادراته بلغة قريبة من قضايا الفقراء والمهمّشين، لا بوصفها مواقف سياسية، بل بكونها جزءًا من التزامه الروحي بأن الكنيسة ينبغي أن تكون "جسرًا" لا "حاجزًا"، وصوتًا لأولئك الذين لا صوت لهم.


سُلطة بلا ضجيج

إذا كان لكلّ بابا صورة تختصر شخصيّته، فإن صورة لاوون الرابع عشر هي صورة رجل يقف في البازيليك الكبرى، لكنه يبدو داخليًا كأنه في دير صغير تحيط به البروتوكولات، إنما قلبه في عالم آخر هو عالم الصمت. صمته ليس هروبًا، بل حضور مختلف، يذكّر بأن جوهر السلطة الروحية في الإصغاء لا في التصفيق.


بابا بخطى خفيفة وأثر ثابت

لاوون الرابع عشر ليس شخصيّة دراميّة ولا صاحب شعارات نارية، لكنه يحمل شيئًا نادرًا في عالم مشبع بالضجيج، إنه هدوء الإنسان الذي يعرف حجمه الحقيقي أمام الله. هذا الهدوء هو ما يمنح حضوره قوّة غير معلنة، وإشعاعًا لا يحتاج إلى كلمات كثيرة. إنه بابا يذكّر بأن السلطة يمكن أن تكون خفيفة، وأن الصمت يمكن أن يكون أبلغ من الخطابة، وأن مَن يقود أكبر كنيسة في العالم يستطيع، في الوقت نفسه، البقاء قريبًا من نفسه ومن الآخرين، ومن ذاك الصوت العميق الذي لا يُسمَع إلا حين يهدأ العالم.