نوال برّو

التجارة الإلكترونية في لبنان: شريان حيوي يواجه فوضى وضبابية قانونية

4 دقائق للقراءة

تحوّلت التجارة الالكترونية في لبنان إلى نمط تسوق جاذب وأساسي في عالم التجارة, لا بل شريان اقتصادي حيوي لا غنى عنه. وتستمد هذه التجارة قوتها من اعتمادها على منصات التواصل الاجتماعي لتسويق المنتجات وبيعها مباشرة للعملاء. هذا السوق الرقمي, وعلى الرغم من أنه شكلّ طوق نجاة للعديد من العاطلين عن العمل, وفرصة لمن يريدون استقلالية مهنية إلا أنه بات يعاني في المقابل من العشوائية والفوضى. ويكمن التحدي الأخطر في الغياب التام للأرقام الرسمية والدقيقة حول عدد البائعين الرقميين غير المسجلين قانونياً، لكن المؤكد هو أن الغالبية تعمل خارج الإطار القانوني.

في السياق, يشتكي رائد صاحب أحد المتاجر التقليدية, والذي يمتلك متجراً للثياب, من أن المنافسة بينهم وبين عدد كبير من المتاجر الإلكترونية أصبحت غير مشروعة، ويقول "إن المشكلة الأساسية تكمن في أن العديد من هذه المتاجر لا تلتزم بالشروط القانونية المفروضة على المؤسسات المسجّلة رسميًا". ويوضح أن المتاجر الملتزمة تعمل على استيفاء جميع المتطلبات القانونية، بدءًا من تسجيل العلامة التجارية، مرورًا بـ التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة، وصولًا إلى تسديد الضرائب والرسوم المستحقة للدولة. لكن غياب هذا الالتزام من قبل معظم المتاجر الإلكترونية يخلق حالة من عدم التوازن في السوق إذ يتمتع غير الملتزمين بقدرة أكبر على تخفيض الأسعار. هذا عدا عن تكاليف المحال التي تضاف إلى مدفوعات التاجر التقليدي.

أما جوانا, التي بدأت متجرها الإلكتروني قبل ثماني سنوات، فتقول أنه حقق لها طموحاتها في امتلاك عمل خاص دون الاضطرار لامتلاك رأس مال كبير. وعن مفتاح نجاحها في مجال بيع الأدوات المنزلية "أون لاين" فهو المصداقية والشفافية التي ساعدتها على بناء سمعة جيدة، إضافة إلى التزامها بالقوانين التي تحافظ على حقوقها وثقة المستهلكين.

ومع الانتشار الواسع للمتاجر الافتراضية في لبنان، يبرز تحدّي ضبطها وحماية المستهلكين، فكثيرون ما يشتكون عادة من مستحضرات تجميل وعطور مقلّدة, ملابس رديئة الصنع لا تمت للصور بصلة أو حتى وجبات طعام "مضروبة". مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة، محمد أبو حيدر، يشرح أن هذا القطاع، رغم توسعه ونجاحه، يعاني مشكلتين أساسيتين. الأولى تتعلق بإمكانية التلاعب والغش في بيع السلع عبر المنصات الإلكترونية، مشيرًا إلى أن الوزارة تتابع الشكاوى الواردة بهذا الخصوص وتسعى إلى معالجتها قدر الإمكان. أما في الحالات التي يصعب الوصول فيها إلى أصحاب الصفحات المخالفة، فالوزارة تنسّق مع المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وخصوصًا مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي يقوم بجهد كبير في هذا المجال.

أما المشكلة الثانية، فترتبط بتخوّف المواطنين من استخدام بطاقاتهم الائتمانية عبر الإنترنت خشية التعرّض لعمليات نصب، لافتًا إلى أن خيار الدفع عند الاستلام ما زال يشكل عامل طمأنة مهمًا للمستهلك.

وفي خضم هذه المشاكل يطرح سؤال بديهي عن قانون يحمي حقوق المستهلكين والتجار, وهنا يبرز "قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018" الذي يعتبر نافذاً لكن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيقه. ويشير أبو حيدر إلى وجود خلل في المراسيم التطبيقية الخاصة به، سواء لناحية آلية التنفيذ أو الرقابة، مع الإشارة إلى أنه سيساعد إصدار المراسيم التطبيقية على تسهيل تنظيم السوق . ويضيف أن التطور السريع في أنظمة المعلوماتية يجعل الحاجة إلى تحديث القوانين أمرًا أساسيًا.

ختاماً، رغم التحديات التي تعيق سير التجارة الإلكترونية في المسار الصحيح، إلا أنها أصبحت حاجة أساسية في هذا العالم المتسارع وفي ظل الأزمات الراهنة. لذلك، أصبح معالجة الفوضى الحالية ضرورة ملحة لضمان استدامة السوق وحماية المستهلكين والتجار على حد سواء.