بعد أربع سنوات على دخول آلاف الأفغان إلى الولايات المتحدة ضمن برامج الإجلاء التي رافقت الانسحاب الأميركي من كابول، يعود هذا الملف اليوم إلى الواجهة بقوة، ولكن ضمن سياق مختلف تمامًا. فالهجوم الذي وقع في محيط البيت الأبيض، والذي وُصف بأنه عمل إرهابي، بعدما تبيّن أن المشتبه فيه هو أفغاني دخل البلاد ضمن برنامج إعادة التوطين، لم يكن مجرّد حادث أمني عابر، بل شكّل نقطة تحوّل أعادت فتح النقاش حول كلّ ما يتعلّق بوجود الأفغان في الولايات المتحدة الأميركية: أعدادهم، طريقة دخولهم، دور الإدارات المتعاقبة في تسهيل أو تشديد وصولهم، وتأثير ذلك على الأمن القومي.
منذ عام 2021، استقبلت الولايات المتحدة الأفغان بشكل أكبر، معظمهم من مترجمي الجيش الأميركي أو المتعاونين معه خلال الحرب، إضافة إلى عائلات هربت من بطش "طالبان". وقد تركّز وجودهم في ولايات مثل فرجينيا، ماريلاند، كاليفورنيا وتكساس، واندمجوا تدريجيًا في المجتمع الأميركي، بدعم من منظمات محلّية وبرامج حكومية هدفت إلى تسهيل انتقالهم نحو حياة طبيعية.
لكن هذا الوجود كان دائمًا موضع جدل سياسي، إذ اتهم الجمهوريون إدارة الرئيس السابق جو بايدن بأنها أدخلت عددًا كبيرًا منهم من دون فحوص أمنية دقيقة نتيجة ضغوط الانسحاب الفوضوي من أفغانستان. واليوم، تأتي حادثة إطلاق النار التي أسفرت عن إصابة عنصرَين من "الحرس الوطني" بجروح خطرة لتُستخدم كدليل سياسي عند خصوم بايدن، خصوصًا الرئيس دونالد ترامب، الذي سارع إلى القول إن ما جرى هو نتيجة مباشرة لسياسات التساهل في العهد السابق، الذي يعتبره الأسوأ في التاريخ الأميركي.
ترامب، الذي يرتكز برنامجه السياسي على تشديد قيود الهجرة وحماية الحدود، أعلن فورًا أنه سيعيد النظر في كل الملفات المرتبطة بالأفغان، وأن البرامج التي سمحت لهم بالدخول تحتاج إلى إعادة تقييم جذري. هذا الموقف ليس جديدًا، بل يأتي ضمن سياق رؤيته العامة للهجرة: إعادة فرض السيطرة الكاملة على من يدخل البلاد، وتحميل إدارة بايدن مسؤولية أي ثغرة أمنية نتجت من قراراتها. فبالنسبة إلى ترامب، الهجوم ليس مجرّد جريمة فردية، بل هو مثال على خطورة ما وصفه بالإدخال العشوائي للاجئين.
في الواقع، ترامب لا يتحرّك بردّة فعل على الأحداث، بل يتصرّف وفق رؤية استباقية. فهو لا ينتظر كغيره من القادة أن تقع الواقعة ليعلّق أو يغيّر المسار، والدليل أنه أوقف سابقًا العمل ببرنامج الحماية الموَقتة بقرار صادر عن وزارة الأمن الداخلي، ما يعني أن أكثر من 14 ألف أفغاني فقدوا هذه الحماية، وهو ما كانت إدارة بايدن قد أقرّته استجابة لتدهور الأوضاع الأمنية التي أعقبت الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد مفاوضات مع حركة "طالبان".
سبق للإدارة الجديدة أن قيّمت الوضع العام في أفغانستان، وخلصت إلى تراجع حدة الصراع المسلّح بين "طالبان" وتنظيم "الدولة الإسلامية"، وانخفاض طفيف في الاحتياجات الإنسانية، وارتفاع بسيط في الناتج المحلّي الإجمالي، إلى جانب نمو ملحوظ في قطاع السياحة. من هنا، اعتبرت أن هذه المؤشرات لا تبرر استمرار منح الحماية الموَقتة للأفغان المقيمين في أميركا. وأتى هجوم واشنطن الأربعاء ليؤكد رؤية ترامب في ما خصّ هذا الملف.
في المقابل، يجد الديمقراطيون أنفسهم في موقع الدفاع، إذ يصرّون على أن استقبال الأفغان كان واجبًا أخلاقيًا تجاه أشخاص خدموا الجيش الأميركي وخاطروا بحياتهم. لكن هذه الحجة باتت غير مقنعة في ظلّ ضغط الرأي العام بعد الهجوم. هنا تظهر التداعيات العميقة للحادثة، والتي تتجاوز الأمن إلى السياسة والهوية الأميركية. فمن جهة، من المرجّح أن تشهد البلاد تشدّدًا ملحوظًا في السياسات المتعلّقة بالأفغان، ومن جهة أخرى، سيصبح الملف ورقة انتخابية مركزية.
باختصار، ما حدث لم يكن مجرّد هجوم إرهابي قرب البيت الأبيض، بل تطوّر فجّر ملفًا كبيرًا يلامس قلب النقاش الأميركي بين واجب الحماية الأخلاقية من جهة، وضرورات الأمن القومي من جهة أخرى. وبين رؤية بايدن التي تبنت سياسة أكثر انفتاحًا، ورؤية ترامب التي تعد اليوم بتشدّد غير مسبوق، يقف ملف الأفغان عند مفترق طرق حاسم ستكون تداعياته السياسية والاجتماعية والأمنية أعمق بكثير من حادثة واحدة.
تبدو مقاربة ترامب أكثر تماسكًا وواقعية مقارنة بسياسات الإدارات السابقة. فبينما راهن الديمقراطيون على البعد الإنساني وحده في التعامل مع ملف الأفغان، قدّم ترامب رؤية تعتبر الأمن القومي أساسًا لا يمكن التضحية به. ومع أن البعض يعتبر هذه المقاربة قاسية، إلّا أن الأحداث الأخيرة تُظهر أنها مقاربة تستبق الخطر بدل انتظار وقوعه. وهنا تحديدًا تبرز أهمّية نهج ترامب: سياسة واضحة، متشدّدة عند اللزوم، وتركّز على حماية الداخل الأميركي قبل أي اعتبار آخر.