الخوري ريمون باسيل

مجمع نيقية بعد 1700 سنة... محطة مفصليّة في تاريخ الإيمان المسيحيّ والهويّة الكنسيّة

8 دقائق للقراءة

مرَّ على انعقاد مجمع نيقية المسكونيّ الأول، نحو سبعة عشر قرنًا، ومع ذلك لا يزال هذا الحدث التاريخيّ والدينيّ حاضرًا بقوّة في حياة الكنيسة وفكرها ولاهوتها وصلواتها اليوميّة. لم يكن مجمع نيقية مجرد مؤتمر لاهوتي عابر، بل كان لحظة تأسيسيّة كبرى في مسار الإيمان المسيحيّ، رسم معالم العقيدة، وثبّت هوية الكنيسة، وأسهم في توحيد المؤمنين حول حقيقة المسيح ابن الله.

في هذه المناسبة المفصلية، نستعيد خلفيات انعقاد المجمع، قراراته العقائدية الأساسية، نتائجه وتأثيراته عبر التاريخ، ونسأل: لماذا ما زال هذا المجمع مهمًا حتى اليوم بعد مرور 1700 سنة؟

أولًا: خلفيّة انعقاد المجمع ولمحة تاريخية

انعقد مجمع نيقية الأول سنة 325م في مدينة نيقية (التي تُعرف اليوم بإزنيك في تركيا)، بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الكبير، أول إمبراطور روماني اعتنق المسيحية وأوقف اضطهادها.

السياق السياسيّ والدينيّ

قبل المجمع، كانت الكنيسة قد خرجت حديثًا من عصور الاضطهاد الدمويّ، خاصة اضطهاد دقلديانوس. وبعد صدور مرسوم ميلانو سنة 313م، الذي كرّس حريّة العبادة للمسيحيين، بدأت الكنيسة تدخل مرحلة جديدة من الاستقرار والانفتاح، لكنها في الوقت نفسه واجهت انقسامات خطيرة تهدد وحدتها الداخلية.

أبرز هذه التحديات كانت البدعة الآريوسية، التي انتشرت في الإسكندرية ومحيطها، على يد الكاهن آريوس، الذي علّم أن يسوع المسيح ليس إلهًا كاملًا، بل هو مخلوق سامٍ، خلقه الله قبل الدهور، ولكنه ليس أزليًا ولا مساويًا للآب في الجوهر.

انتشرت أفكار آريوس بسرعة، وأحدثت اضطرابًا كبيرًا في الكنيسة، حتى وصل الخلاف إلى الإمبراطور نفسه، الذي كان يسعى إلى توحيد الإمبراطوريّة دينيًّا وسياسيًّا. فوجد أن الحل الوحيد هو عقد مجمع مسكوني يجمع أساقفة الكنيسة كلها للفصل في هذه القضية. وهذه الظاهرة الجديدة أحدثت الفارق.

المشاركون في المجمع

شارك في المجمع حوالى 318 أسقفًا بحسب التقليد، معظمهم من الشرق، ومن بينهم كبار آباء الكنيسة في ذلك العصر، مثل: القديس ألكسندروس بطريرك الإسكندرية وشماسه آنذاك القديس أثناسيوس الرسولي وأوسيوس أسقف قرطبة وممثلون عن بابا روما سيلفستر الأول. كان من اللافت بمكان أن عددًا من الأساقفة الحاضرين كانوا يحملون في أجسادهم آثار التعذيب من زمن الاضطهاد، ما أعطى المجمع طابعًا روحيًا مهيبًا، كأنه شهادة حيّة على أمانة الكنيسة للمسيح.

ثانيًا: أهم القرارات العقائدية

كان الهدف الأساسي للمجمع هو حسم الجدل حول هويّة المسيح، فأصدر قرارات عقائدية مفصليّة لا تزال الكنيسة تعتمدها حتى اليوم.

1. تأكيد ألوهية المسيح

أهم قرار أصدره المجمع هو التأكيد على أن يسوع المسيح هو "ابن الله الوحيد، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر". واستخدم الآباء مصطلحًا يونانيًا حاسمًا كي يشرحوا هذا الأمر البالغ وهو: "أوموأوسيوس" (ὁμοούσιος)، أي: مساوٍ للآب في الجوهر. وبذلك رفض المجمع تعليم آريوس الذي قال إن الإبن أدنى من الآب في الطبيعة والأزليّة.

2. صياغة قانون الإيمان

وضع المجمع صيغة رسميّة للإيمان، عُرفت لاحقًا باسم "قانون الإيمان النيقاويّ"، وهو الأساس الذي بُني عليه قانون الإيمان الذي يتلى في الكنائس حتى يومنا هذا. وجاء فيه "نؤمن بإلهٍ واحدٍ، آب ضابطِ الكلّ، خالقِ السماءِ والأرضِ، … وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كلّ الدهور، نورٍ من نور، إلهٍ حق من إلهٍ حق، مولودٍ غير مخلوقٍ، مساوٍ للآب في الجوهر، ..."، وقد شكّل هذا القانون مرجعيّة عقائديّة فاصلة في تاريخ المسيحيّة.

3. قرارات كنسيّة وتنظيميّة أخرى

إلى جانب القرارات العقائدية، أصدر المجمع أيضًا بعض القوانين التنظيميّة، من بينها:

أ‌- تحديد موعد موحّد للاحتفال بعيد الفصح بدل الاختلافات بين الكنائس، وهذا دلالة واضحة لقدم الاحتدام القائم ما بين التقويمين الغربيّ والشرقي لعيد الفصح.

ب‌- معالجة بعض القضايا الكنسية المتعلقة بالأساقفة والإكليروس. وكيفيّة اختيارهم وإعدادهم.

ج- توضيح بعض المسائل التنظيمية المرتبطة بالإدارة الكنسيّة.


ثالثًا: النتائج والتأثيرات عبر التاريخ

لم يكن مجمع نيقية حدثًا معزولًا، بل كانت له نتائج عميقة وطويلة الأمد في مسار التاريخ الكنسيّ والعقائديّ.

1. تثبيت العقيدة المسيحية

أسهم المجمع في ترسيخ الأسس اللاهوتيّة لعقيدة التجسّد والفداء، وحمى الإيمان المسيحيّ من الانقسامات الخطيرة التي كان يمكن أن تفقده جوهره. وقد خاض آباء مثل القديس أثناسيوس الرسولي معارك لاهوتيّة شرسة لشرح وتثبيت هذا التعليم بعد المجمع، حتى سُمّي لاحقًا حامي الإيمان النيقاويّ.

2. انطلاق مسيرة المجامع المسكونيّة وبالنمط السينودسيّ في الكنيسة

فتح مجمع نيقية الباب أمام تقليد المجامع المسكونيّة، التي أصبحت المرجع الأعلى في تحديد العقائد. وتوالت المجامع بعده لمعالجة قضايا جديدة، مثل مجمع القسطنطينيّة وأفسس وخلقيدونية وسواهما من المجامع العامة والمحليّة. فأظهرت الكنيسة بأنها تتنفس سينودسيًّا وتحيا من خلال السينودسيّة.

3. تعزيز وحدة الكنيسة (مع ما رافقها من صراعات)

رغم أن المجمع سعى إلى توحيد الكنيسة، إلا أن تطبيق قراراته لم يكن سهلاً. فقد استمرت الصراعات الآريوسية لعقود طويلة بعده، لكن في النهاية انتصرت العقيدة النيقاويّة وأصبحت الإيمان الرسميّ للكنيسة الجامعة. لربما كان هذا هو المحرّك الأساسيّ لانعقاد المجمع"أمبراطورٌ واحد، أمبراطوريّة واحدة، كنيسة واحدة وإيمانٌ واحد".

4. التأثير الثقافيّ والحضاريّ

لم يقتصر تأثير المجمع على المجال الدينيّ فقط، بل انسحب على: الفكر الفلسفيّ واللاهوتيّ وعلى الثقافة والهويّة المسيحيّة الأوروبيّة والشرقيّة وعلى العلاقة بين الدين والدولة في الإمبراطوريّة الرومانيّة، وقد أسهم في رسم ملامح الحضارة المسيحية لقرون طويلة. لا نزال لغاية الساعة في تفاعل وفي عيش مبدأ محرّك أساسيّ هو "الانثقاف" أو "المثاقفة" أي الإانفتاح على ثقافة العالم ونقل البشرى السارة إليها من خلال مقوماتها ومسلّماتها الإيمانيّة.


رابعًا: لماذا ما زال مجمع نيقية مهمًا بعد 1700 سنة؟

قد يتساءل البعض: لماذا نعود اليوم إلى مجمعٍ انعقد في القرن الرابع؟ ما علاقته بعالمنا المعاصر؟

1. لأنه أساس إيمان الكنيسة حتى اليوم

قانون الإيمان الذي وُضع في نيقية لا يزال يُتلى في كلّ قداس، في الكنائس الشرقيّة والغربية، وهو يشكّل قلب الاعتراف المسيحيّ بالمسيح. بدون نيقية، لا يمكن فهم لاهوت التجسّد، ولا معنى الثالوث، ولا حقيقة الخلاص المسيحيّ. المجمع النيقاويّ أعطى الكنيسة هويّة وخارطة طريق. أصبحت منذ انعقاد هذا المجمع مدعوّة أكثر من أيّ وقت مضى للسهر على عيش أسس السير معًا والإصغاء والتنبّه لكافة مكوّناتها وشرائحها.

2. لأنه نموذج للحوار في زمن الانقسامات

في عالم يعاني اليوم من انقسامات دينيّة وفكريّة حادة، يقدم مجمع نيقية نموذجًا لكيفيّة مواجهة الأزمات بالحوار، وبالرجوع إلى الإيمان المشترك. رغم حدّة النقاشات في المجمع، إلا أن هدفه كان الحفاظ على وحدة الكنيسة، لا سحق الطرف الآخر. لذلك العودة إلى خبرة مجمع نيقيّة ضرورة لإدارة النقاش بروح المسؤوليّة الكنسيّة وحسن الإصغاء أولاً لإلهامات الروح القدس ولبعضنا البعض وعدم الاكتفاء برشق بعضنا البعض بالحرم والهرطقة والتخوين و...

3. لأنه يذكّر بدور الجماعة لا الفرد

في زمن يميل إلى الفردانيّة والتفسيرات الشخصيّة، يعلّمنا مجمع نيقية أن الإيمان يُصاغ داخل جماعة الكنيسة، بتلاقي الأساقفة والرعاة والمؤمنين، وبروح الشركة الروحيّة، لا بالآراء الفرديّة المعزولة، بالإنتقال من الـ "أنا" إلى "نحن". كم عالمنا ومجتمعنا بحاجة ماسة إلى الخروج من الأنانيّة إلى روح الجماعة والعمل المشترك والخير العام.

4. لأنه يواجه تحديات لاهوتيّة متجددة

اليوم أيضًا تظهر أفكار تحاول التشكيك في ألوهيّة المسيح أو إعادة تفسيره كمجردِ حكيمٍ أو نبيّ. وهنا يعود مجمع نيقية ليذكّر الكنيسة بهويّتها الأساسيّة: يسوع المسيح هو ابن الله الحي، المساوي للآب في الجوهر. لا مساومات ولا جدل عقيم ولا مباحثات في كون المسيح ابن الله والمخلّص.

5. لأنه جزء من الهويّة الكنسيّة المشتركة

رغم الانقسامات بين الكنائس اليوم، إلا أن مجمع نيقية يبقى من النقاط النادرة التي يجتمع حولها معظم المسيحيين: كاثوليك، أرثوذكس، والعديد من الكنائس البروتستانتيّة. وهذا يعطيه قيمة مسكونيّة خاصة في مسيرة وحدة الكنيسة. لربما نحن بأمسّ الحاجة إلى هذه الشهادة الناصعة التي يعطينا إيّاها مجمع نيقية كي نعيد خياراتنا، أولوياتنا. هذا المجمع يضع مبدأ الأخوّة فوق كلّ إعتبار، لذلك وحّد جهود الجميع في تناغم تام وانسجامٍ حقيقيّ.

في الختام، يبقى مجمع نيقية في الذاكرة الحيّة لا مجرّد حدث كنسيّ منسيّ. بعد مرور سبعة عشر قرنًا، لا يبقى مجمع نيقية مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل يتحوّل إلى ذاكرة حيّة، ونقطة مرجعيّة، وجسر يربط الكنيسة بجذورها. إن العودة إلى نيقية ليست حنينًا إلى الماضي فقط، بل هي تجديد للعهد مع الإيمان الرسوليّ، واستمداد للقوّة والوضوح في مواجهة تحديات العصر. ففي عالم متقلّب القيم، تبقى كلمات قانون الإيمان تتردّد بثبات: "نورٍ من نور، إلهٍ حق من إلهٍ حق…" وهي ليست فقط كلمات تُتلى، بل إيمانٌ يُعاش، وهويّة تُصان، ورسالةٌ تُنقل من جيلٍ إلى جيل.