نايف عازار

هل تعبّد العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة طريق ضمّها؟

4 دقائق للقراءة
قوات إسرائيلية خلال مشاركتها في عملية في طوباس الأربعاء (رويترز)

عادت الضفة الغربية لتكون مجدّدًا ساحة ساخنة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، التي تجلّت أخيرًا في اقتحام الجيش الإسرائيلي محافظة طوباس الواقعة في شمال الضفة، محوّلًا إيّاها إلى ثكنة عسكرية مغلقة. الحملة العسكرية المباغتة ترافقت وعمليات اقتحام منازل الفلسطينيين وتحويل بعضها إلى ثكنات ميدانية، يتمّ فيها استجواب المعتقلين، مع ما يرافق ذلك من عمليات إذلال وإهانة لكرامات الفلسطينيين الآمنين.

حشدت الدولة العبرية في عمليّتها على طوباس وبلدات مجاورة ثلاثة ألوية تضمّ المئات من جنودها، فضلًا عن استخدامها مروحيات "أباتشي" ومسيّرات وآليات وجرّافات عسكرية، بذريعة ملاحقة مطلوبين فلسطينيين في المحافظة. بيد أن القوات المقتحِمة لم تتعرّض لإطلاق نار إبّان العملية، أي أن الجيش الإسرائيلي لم يشتبك مع أي مجموعة فلسطينية مسلّحة كما بات سائدًا عند اقتحامه أي بقعة في الضفة، ما ترك الفلسطينيين في حيرة من أمرهم حيال الأسباب الحقيقية الكامنة وراء العملية.

بينما يُفترض أن يكون هناك هدف استراتيجيّ خلف تلك الحشود العسكرية الكبيرة، رجّح بعض المراقبين أن يكون هدف العملية إجراء مناورة حيّة في مناطق الضفة المأهولة والمكتظة، باعتبار أنها ستكون المنطقة الساخنة التالية وساحة مواجهات رئيسية جديدة بالنسبة إلى الدولة اليهودية، بعد إحكام طوقها العسكري والأمني على قطاع غزة المنكوب، وإنهاك لا بل إنهاء حركة "حماس".

لا يغيب عن البال أيضًا، أن واقع نتنياهو السياسي المرير في الداخل الإسرائيلي وفي ائتلافه الحكومي اليميني، جعله يجيد فن "الهروب إلى الأمام" في كل مرّة تشتدّ فيها وطأة أزماته الداخلية. ولعلّ الخلاف الأخير بين وزير دفاعه يسرائيل كاتس ورئيس أركان الجيش إيال زامير على خلفية إخفاقات 7 أكتوبر 2023، خير دليل على ذلك. وفي هذا الإطار، يجهد "بيبي" لردم الهوّة بين الرجلين، ولجم حدّة الخلافات التي طفت أخيرًا على السطح بينهما، خصوصًا أن كاتس يُعدّ أحد أعمدة الائتلاف الحكومي، الذي يهدّد أي اختلال في توازنه، بنسف الحكومة الإسرائيلية، التي تقتات من استمرار الحروب.

لذلك يمكن أن يُدرج اقتحام شمال الضفة في سياق محاولة رئيس الحكومة الهروب من أزماته إلى الأمام، خصوصًا بعدما وضعت الحرب الواسعة على قطاع غزة أوزارها، ما يهدّد بانفراط عقد ائتلافه الحكومي، غير أن هذا الهروب يدفع ثمنه، كما جرت عليه العادة في كلّ مرّة، الفلسطينيون.

لا ريب في أن صناع القرار في تل أبيب، وجدوا في عملية "طوفان الأقصى"، خير ذريعة لإحكام قبضتهم الأمنية على الضفة، وللمضيّ قدمًا في عمليات "التهويد" في "يهودا والسامرة"، بحسب التسمية التوراتية، والتهجير، وصولًا إلى حلم الضمّ، لأنه بذلك يكون الإسرائيليون أطلقوا رصاصة الرحمة على حلم إقامة دولة فلسطينية. لذلك لا تفوّت الحكومة اليمينية المتطرّفة أي فرصة للانقضاض على فلسطينيي الضفة، بغية قضم مزيد من أراضيهم، وتحويل مدنهم إلى مناطق محاصرة ومقطَّعة الأوصال، وعرقلة أي مظاهر للحياة الطبيعية.

بالإضافة إلى تغوّل سياسة الاستيطان في الضفة، التي تخالف كلّ القوانين والأعراف الدولية، بدأت إسرائيل، قبل ساعات من إطلاق العملية العسكرية في طوباس، رحلة "مقوننة" تجيز للمستوطنين شراء أراض في الضفة، بعد أن صادقت لجنة في الكنيست على مشروع قانون يسمح للإسرائيليين بالتملّك في الضفة. غير أن المشروع كي يصبح قانونًا نافذًا، يتعيّن التصويت عليه في الكنيست بثلاث قراءات.

وبحسب الكنيست، فإن مشروع القانون يلغي القانون الأردني الذي كان يرعى تأجير وبيع العقارات للأجانب في الضفة، ويسمح لأي شخص بشراء العقارات، باعتبار أن القانون الأساسي سُنّ من قبل الحكومة الأردنية عام 1953، لمنع غير العرب من التملّك في الضفة، أي أن القانون، وفق وجهة النظر الإسرائيلية، كان موجّهًا في الأساس ضدّ اليهود.

وتبقى العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في الضفة، الممهورة بتواقيع نتنياهو ووزرائه المتطرّفين، خير دليل على سعي تل أبيب الدؤوب إلى تهيئة الظروف الميدانية والمناخات السياسية التي تتيح فرض السيطرة الإسرائيلية الشاملة على الضفة، من خلال سلسلة قوانين وإجراءات تجعل الاعتراف بالدولة الفلسطينية مستحيلًا، فضلًا عن توسيع الاستيطان وقضم مزيد من الأراضي، وبذلك تكون الطريق الإسرائيلية معبّدة أمام تثبيت الضمّ. غير أن السياسات العدائية الإسرائيلية المتمادية بحق فلسطينيي الضفة، والتجاوزات شبه اليومية التي يرتكبها المستوطنون بمباركة الجيش الإسرائيلي ومواكبته، ضدّ الفلسطينيين، معطوفة على انسداد الأفق السياسي، إنما تشير إلى تكوّن مسار تصاعديّ، ربّما ينتهي بإشعال فتيل انتفاضة شعبية جديدة، تكون كفيلة بقلب الطاولة على رؤوس الجميع.