في لبنان، يكفي أن تدخل إلى السوبرماركت لتشاهد سعر الجبنة يتغيّر أكثر ممّا تتغيّر فصول السنة. الدولار نفسه بات يمتلك حياة اجتماعية أغنى من حياة نصف الشعب، يتنقل بين المنصّات كأنه نجم "إنفلونسر". ومع هذا المشهد، لم يعد غريبًا أن يبدأ اللبناني بالتفكير في "مهن" جديدة مختلفة قليلًا عن البرمجة وإدارة الشركات الناشئة. هذه رفاهيات تحتاج كهرباء لا نفتخر بامتلاكها. لذلك صار المنطق هو العودة إلى البدايات، إلى العصر البرونزي، إلى أجمل مهنة ممكنة في الانهيارات.
نعم، يا سادة. إذا استمرّت الأزمة الاقتصادية على هذا النحو، لن يبقى لدينا خيار سوى حمل جهاز كشف معادن على أكتافنا، والخروج إلى الحقول نبحث عن دينار فينيقي، أو درهم عباسيّ، أو حتى غطاء قنينة بيرة من أيام الازدهار الحقيقي. كلّ شيء صار يُباع ويُشرى، حتى الفخار المكسور الطازج.
وللإنصاف، لسنا أوّل شعب يصل إلى مرحلة التفكير بالكنوز. إذ حسب تاريخ البشريّة، كلّ حضارة وصلت إلى الانهيار الكامل تحوّل شعبها تلقائيًا إلى منقّبين. وهكذا تأسّس علم الآثار أصلًا. هواة يبحثون عن الذهب بالصدفة. الفرق الوحيد هو أن الهواة القدامى اكتشفوا مقابر الفراعنة ونحن على الأغلب سنكتشف مقابر فواتير الكهرباء.
"Detectorists" بنسخة لبنانية
يعرض المسلسل البريطاني "Detectorists" حياة مجموعة رجال يقضون أيامهم في الحقول بحثًا عن قطع معدنية. صراحةً، نحن جاهزون لفعل الشيء نفسه، لكن بنسخة لبنانية مطوّرة: بدل الحقل المفتوح، أرض مهجورة بين بنايتَين. وبدل المطر، مكيِّف سوبرماركت "يهرّ" علينا ثلجًا. وعوض العثور على خاتم ذهبي من القرون الوسطى، غطاء قنينة مشروب غازيّ من سنة 1985. ومع ذلك، سنصرّ على تصوير أنفسنا على "تيك توك"، صارخين: "لقطناهاااا! هيدي من عصر إميل لحود الأول!".
الهواية تحتاج إلى عِلم؟ ما من مشكلة، نحن شعب نهوى "التفلسف". في إنكلترا، الهواة يحفظون تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ويفرّقون بين عملة من عام 1700 وأخرى من عام 1800، ويعرفون الفروق الدقيقة بين المسكوكات الأنغلوساكسونية. أما نحن، فلا نقلّ عنهم شغفًا، لكنّ معرفتنا مختلفة قليلًا:
-"هيدي قطعة عثمانية".
-"كيف عرفت؟"
-"ما بعرف... هيك حسّيت".
أو أيضًا:
-"لقيت عملة، يمكن من أيام الفينيقيين".
-"بس مكتوب عليها: Banque du Liban".
-"أكيد مزوّرة... عصر الفينيقيّين كان كلّو تزوير".
قانون اللاقانون
حسنًا، ولكن ماذا عن القوانين؟ المسألة أكثر من عادية... نحن أصلًا نشتغل حسب "قانون الغابة". في أوروبا، يشرحون لمواطنيهم بوضوح، أنه ينبغي أخذ إذن مالك الأرض، وينبغي إبلاغ السلطات، وتسجيل الإحداثيات. ينبغي أيضًا وأيضًا، الحفاظ على القطعة من دون لمس.
أما في لبنان، فالعمليّة أبسط بكثير: كلّ له قانونه وعُوده وبُزقه حتى! أنت تتظاهر بأنك لا ترى شيئًا، والمالك يتظاهر بأنه لا يسمع شيئًا، والدولة تتظاهر بأنها غير موجودة. وهكذا "تُحلّ" الأمور بسلاسة. وإن حظينا بقطعة ثمينة، نقوم فورًا بالخطوات التالية: نرسل الصورة عبر "واتساب". ومن ثم ننتظر رأي "خبير العَيلة" الذي لم يقرأ في حياته سوى كتاب تاريخ واحد في الصف الرابع. نختلف نحن والخبراء على السعر. نعرض القطعة على أحد التجار الذي ينظر إليها لثانية، ثم يقول: "إيه هيدي ما بتسوى شي. بس كرمالكن باخدها بـ 50$". وطبعًا بعد أسبوعين، نكتشف أنها بيعت في مزاد عالميّ بـ 150000 دولار.
لماذا يعثر الهواة الغربيون على كنوز فعليّة؟ من كنز "ستافوردشاير" الضخم، إلى ذهب العصر الحديدي في ويلز، إلى كنوز من زمن "الفايكينغ"، إلى قطع رومانية وعملات نادرة وذهب حقيقي، وليس كأسنان بعض الجيران.
أكبر كنز في لبنان
أما نحن، فلو أخرجت وسائل الإعلام الدولية تقريرًا عن "أكبر كنز في لبنان"، قد يكون على الشكل التالي: "الكنز الأكبر ربطة خبز محفوظة كما هي من أيام الـ "1500"، بدون أيّ تشققات! قطعة نادرة للغاية". أو "اكتشاف أول صفيحة بنزين مليئة ومنسيّة منذ بداية الأزمة، محفوظة في قن الدجاج". أو ربما ستحكي عن "كنز أثريّ من 17 مفتاح سيارة، تعود كلّها لسيارات سُرقت ولم يُعرف مصيرها"، لكنها قد لا تروي يومًا أن الكنز الحقيقي ليس القطع الأثرية بل القدرة على الاحتمال. هناك احتمال قويّ أن نكتشف في المستقبل القريب هذا النوع من الآثار، مثلًا دفتر شيكات من مصرف أُقفل منذ عشر سنوات، أو بطاقة "Fresh Card" لا تزال جديدة لأن أحدًا لم يستعملها يومًا، أو ماكينة صرّاف آلي "متجمّدة" في مكانها، تحمل حجر أساس محفورًا عليه "كان هنا مصرف، ثمّ هرب". في كلّ الأحوال نحن شعب يتعامل مع الحياة كحفار كنوز أساسًا.
دعونا نكن صريحين ولنعترف بأننا نبحث عن الكنوز يوميًا، لكنها كنوز من نوع آخر: نحن نبحث عن كهرباء، عن إنترنت، عن ميكانيكي لا ينصب علينا، عن طبيب يقبلنا من دون دولار "فريش"، عن بنزين بالسعر القديم، عن بيت بلا رطوبة، ونبحث عن دولة (وهذا الكنز الأصعب).
النوادي
لذلك، ما الفرق لو حملنا جهاز كشف معادن بدل البحث بأسناننا؟ من المتوقع، في بلّورتي، أن بعد سنتَين ستظهر أندية رسمية، تمامًا مثل "DMDC" البريطاني، لكن بأسماء لبنانية أصيلة مثل: "نادي كاشفي الكنوز اللبنانيين"، "The Cedar Detectorists"، و "نادي الكاشفين الجدد – فرع التعمير"، و "جمعية الباحثين عن الذهب – بلا ما نذكر المناطق"، و "الفرقة الكشفيّة للكنوز – منقّبون بلا حدود". وستصدر عن النوادي بيانات ترجو من الأعضاء عدم البحث في أراضي الدولة، ليس حفاظًا على الآثار بل "لأنه ببساطة لن تجدوا شيئًا".
كفالة أسبوع
وفي بلّورتي أيضًا: وزارة الاقتصاد ستصدر بيانًا عاجلًا تعلن فيه برنامج دعم جديدًا، بدل "البطاقة التمويلية"، يمنح كلّ مواطن جهاز كشف معادن صينيًّا مع كفالة أسبوع واحد. ونشرات الأخبار تتحدّث بجديّة عن "الموسم الجيّد للعثور على القطع النحاسية بسبب الأمطار"، أو ستحكي عن تحذير من الصيادين يطلبون فيه التمييز بين خرطوش الصيد والكنوز الحقيقية. سيصبح لدينا خبراء يظهرون على التلفاز، ليشرحوا بفخر بأن "الليرة التي عُثر عليها تعود للعصر الذهبي. عصر ما قبل سنة 1975".
وبينما تنشغل الدول المتقدّمة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، سيشغلنا سؤال أكثر وجودية: "هيدا الصوت يلي طلع، غرض أثري أو بس قنينة بلاستيك مدفوني؟". وربّما بعد سنوات، عندما يأتي السيّاح لزيارة لبنان، لن يعودوا يسألون عن الأرز أو الجبل أو البحر، بل عن "الموقع الأفضل للعثور على آثار انهيار الجمهورية اللبنانية". وهكذا نتحوّل إلى "متحف مفتوح" بلا تذاكر، ولا كهرباء، وبحفريات تكفينا لأجيال.
شعب كنوز ينقصه جهاز
بالنظر إلى الوضع الاقتصادي، وإلى أن جيوبنا، نحن المواطنين اللبنانيين، أصبحت فارغة لدرجة بات بإمكاننا أن نسمع صدى أصواتنا فيها، ليس غريبًا أن نتجه إلى مهنة البحث عن الكنوز. بل لعلّها المهنة الوحيدة التي تتناسب مع مستقبلنا. فمع كل حفرة جديدة، سنكتشف حقائق طمرناها سنوات وسنوات: من أحلام قديمة، ووعود انتخابية منتهية الصلاحية، ومشاريع لم تولد أصلًا. وربما نعثر يومًا على كنز ثمين حقًا، وهو دليل كيفية استخدام البلد، أو خريطة تُظهر كيف يمكن الخروج من مصائبه المتتالية بلا معجزات.

