ينطلق غدًا "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" في دورته الخامسة، لتكون مدينة جدَّة مُجدّدًا على موعدٍ مع حدث لا يشبه غيره في المنطقة. مهرجانٌ بات خلال سنواتٍ قليلة منصّةً لا لعرض الأفلام فحسب، بل لبلورة رؤيةٍ سينمائيّةٍ جديدة، وصياغة علاقةٍ أكثر نضجًا بين الصّناعة العربيّة ومحيطها العالميّ. دورة تلو الأخرى، يُثبت المهرجان أنه يتجاوز صفة تجربة جديدة إلى كونه مشروعًا مؤسِّسًا يُعيد ترتيب موقع السّينما العربيّة على الخريطة، ويخلق ديناميّات إنتاج وتطوير واكتشاف لم تكن قائمة بهذه السّعة من قبل. مهرجان بات ركنًا أساسيًّا على الروزنامة العالميّة وفي الوقت ذاته واحة تلتقي فيها التجارب العربيّة والآسيويّة والأفريقيّة مع الموجات السينمائيّة العالميّة. وبين برنامجٍ يتوسّع، وصندوق دعمٍ أكثر حضورًا، ومعامل تُخرّج أصواتًا صاعدة، وسوق باتت لاعبًا مؤثرًا، يظهر بوضوح أن المهرجان لا يسعى إلى مُجرّد استضافة سينما العالم، بل إلى خلق حوار يُنتج لغة جديدة ويفتح مسارات فعليّة لصانعي الأفلام.
يُقدّم "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" باقة بارزة من أفلام المشرق العربي، مع تركيزٍ خاص على الأعمال القادمة من فلسطين والأردن ولبنان، والتي تتناول قضايا الحرب والذاكرة والبحث عن الذات. من فلسطين تبرز أفلام: "فلسطين 1936"، و "اللي باقي منك"، و "مُهدّد بالانقراض"، التي تستعرض تأثير الصّراع على الحياة اليومية. فيما يأخذ فيلم "يونان"، المُشاهد، إلى رحلة تأمُّليّة عميقة، من بطولة أيقونة السّينما الألمانيّة Hanna Schygulla والنجم اللّبناني جورج خبّاز. ومن الأردن، يكشف فيلما "غرق" و "ثورة غضب" عن دراما عائليّة حسّاسة ومشحونة بالتوتر الإنسانيّ. أمّا لبنان، فيحضر بخمسة أعمال تُقدِّم رؤى متنوّعة عن الخسارة والحبّ والارتباط بالهويّة، منها: "جيم 1983"، "وبركي قصفوا هون اللّيلة؟"، "المُنتهى"، "عم تسبح"، و "نجوم الأمل والألم". كما يُسلّط المهرجان الضوء على فيلم "صوت هند رجب" للمخرجة والكاتبة التونسيّة كوثر بن هنيّة، الذي يمزج بين الوثائقي والدراما ليُقدّم شهادة مؤثرة عن مأساة الحرب في غزة.
بين التراث والحداثة
أحد أكثر الأسئلة جدلًا في أي مهرجانٍ عربي معاصر، هو سؤال التوازن بين الأصالة والتجديد. كيف يُمكن الاحتفاء بتاريخ السّينما العربيّة والتأسيس لصناعةٍ جديدة؟ "مهرجان البحر الأحمر" قدّم إجابةً عمليّةً منذ دورته الأولى: ليس عبر استحضار الماضي كديكور جميل، بل عبر وضعه في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الجديدة للسّينما. هذه السّياسة تتجلّى في عمله المُكثف على ترميم الأفلام العربيّة. فالمهرجان لم يكتفِ بترميم أعمال المخرج المصري خيري بشارة، بل أعاد الحياة لأفلام يوسف شاهين التي لم تُرمَّم من قبل مثل: "شفيقة ومتولّي"، و "الاختيار"، كما رمَّم أفلامًا موسيقيّة كلاسيكيّة مثل: "خلّي بالك من زوزو" و "غرام في الكرنك"، وسواهما، في مبادرةٍ تهدف إلى إعادة هذه الكنوز إلى الشاشة الكبيرة للأجيال الجديدة. هذا التوجُّه يعكس رؤية واضحة عبّر عنها مدير البرنامج العربي والكلاسيكيّات أنطوان خليفة، في جوابه عن سؤال لـ "نداء الوطن"، قائلًا: "هدفنا تعريف المُشاهد السّعودي والأجيال الصّاعدة بكنوز السّينما العربيّة… لا نسعى لنظرةٍ أكثر جرأة، إنما لنظرةٍ ثاقبة ومُبتكرة تساعد الجيل الجديد في بلوَرة نظرته للسّينما من خلال مُشاهدة الكلاسيكيّات". يبدو جليًّا إذًا أن المهرجان لا يسعى إلى تأريخ الماضي بل إلى استخدامه كأداة لتغذية الحاضر، ما يفتح حوارًا فعّالًا بين الكلاسيكيّات والموجة الجديدة.
مختبر الأصوات الجديدة
من بين العناصر الأكثر تأثيرًا في بُنية المهرجان، "معامل البحر الأحمر"، التي تحوّلت إلى حاضنة تدريبيّة ومهنيّة أساسيّة في المنطقة. برامج تمتدّ عبر كتابة السيناريو، التطوير، الموسيقى والصّوت، وتستقطب مواهب من العالم العربي وخارجه. في سؤال "نداء الوطن" حول دَور هذه المعامل في ربط الخرّيجين بفرص الإنتاج والتوزيع، قدّم رئيس "معامل البحر الأحمر" ريان عاشور إجابة تكشف عن نضج البُنية المؤسّسيّة للمهرجان: "نملك منظومة متكاملة منذ البداية تربط بين المعامل و "صندوق البحر الأحمر" والسّوق… ويبقى التحدّي الأكبر في زيادة عدد المُنتجين المحليّين القادرين على احتضان هذه المشاريع".
هذه النظرة الواقعيّة والمُتفائلة في آن، تُبرز واحدة من أهم مشكلات الصّناعة العربيّة، وهي نقص المُنتجين المُتخصّصين القادرين على إدارة المشاريع. لكن المعامل لا تكتفي بالتدريب، بل تبني شبكات اتصال مباشرة مع مختبرات عالميّة، ما يتيح لصانعي الأفلام فضاءً أوسع لتحقيق مشاريعهم.
السّوق مركز ثقلٍ صناعي
باتت سوق البحر الأحمر اليوم إحدى أهم أسواق الصّناعات السينمائيّة في المنطقة، ومنصّة يجتمع فيها موزعون ومنتِجون وصنّاع قرار من أكثر من 30 دولة. التطوّر الكبير للسّوق ليس مجرّد توسّع عدديّ، بل هو تحوّل نوعيّ في دوره، بوصفه نقطة التقاء أساسيّة بين ثلاث قارّات. في إجابتها عن سؤال "نداء الوطن"، تُقدّم مُديرة السّوق هولي دانيال سردًا دقيقًا لحجم هذا التوسُّع: "لدينا هذا العام 166 عارضًا من 45 دولة، ومع توسُّعنا في آسيا ازدادت الرّغبة لدى الصّناعة العالميّة في الحضور إلى جدَّة". وتُضيف: "السّوق جزء من منظومة تمتدّ طوال العام عبر الصّندوق والمعامل، وسنواصل تطوير حضورنا لتبقى السّوق المنصّة الأساسيّة في المنطقة للصناعة الدوليّة". هذا الفهم للسّوق بوصفها جزءًا من مُنشأة إنتاج متكاملة، وليست مجرّد معرض، هو ما يمنح دورة المهرجان الخامسة موقعًا راسخًا في المشهد العالمي.
جسر بين آسيا وأفريقيا والعالم
منذ انطلاقه، حرص المهرجان على خلق مساحة مشتركة بين السّينما العربيّة وجوارها الواسع في أفريقيا وآسيا. هذه الرؤية ليست تجميليّة، بل استراتيجيّة؛ فمُستقبل السّينما العالميّة يتجه نحو تعدُّد المراكز ونحو سرديّات جديدة خارج الهيمنة التقليديّة. المسؤولة عن هذا البُعد هي مُديرة البرمجة الدوليّة فيونوالا هاليغان التي قدّمت لـ "نداء الوطن" إجابات تُظهر عمق التفكير في دَور المهرجان داخل الخريطة الدوليّة، إذ قالت إن "المهرجان بوتقة تلتقي فيها أفلام ومهنيّون من كل العالم. النموّ عضوي ونحن أصلًا جزء من تأثير مُتزايد في كيفيّة نظر العالم إلى المنطقة". وتؤكد في جانبٍ آخر أن "هناك اهتمامًا بأن يتحدّث صانعو أفلام أفارقة مع مُخرجين كوريّين أو داعمين هنود، وهذا الخليط هو ما يجذب العالم إلى جدَّة".
هذه الرّؤية تكشف أن المهرجان ليس مجرّد عارضٍ للأفلام، بل صانع سياق لمُحادثة عالميّة.
نحو دورةٍ مفصليّة
تبدو الدورة الخامسة من "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدولي" نقطة فاصلة. ليس لأنها الأضخم من حيث البرامج فحسب، بل لكونها تأتي في لحظة نضج تتحوّل فيها المُبادرات إلى مؤسّسات، الورش إلى منصّات إنتاج، والسّوق إلى مركز تأثير. جدَّة لم تعد مدينة تستضيف مهرجانًا فقط، بل تستضيف شبكة عالميّة من الأفكار والمشاريع والصّناعات، مُرشحة لتُعيد رسم ملامح السّينما العربيّة وموقعها في العالم.
ومع هذا التداخل بين التراث والحداثة، بين المحلّي والعالمي، وبين السّينما كَفن والصّناعة كاقتصاد، يُثبت المهرجان أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى… وفي جدَّة البناء جارٍ على قدمٍ وساق.
جدول عروض "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" 2025 متوفر على الموقع الإلكتروني: www.redseafilmfest.com .