نبيل يوسف

المدرسة المارونية في روما: فخر الإنجازات المارونية

11 دقيقة للقراءة

إن المبادرة التي أخذها البابا غريغوريوس الثالث عشر بإنشاء معهد ماروني في روما سنة 1584 في عهد البطريرك سركيس الرزي (1581 – 1597)، الذي حمل الرقم 50 في سلسلة البطاركة الموارنة، عادت بنفع كبير على الموارنة.

قام الحبر الأعظم بهذا العمل بدافع اهتمامه بسد حاجة الكنيسة المارونية الماسة لمدارس تُعنى بتثقيف إكليروسها ورغبة منه في تثبيت علاقات الكنيسة المارونية بالكرسي الرسولي فكان لهذا الحل الذي اختاره الأب الأقدس نتائج إيجابية جمة.

للمدرسة المارونية في روما مرحلتان أساسيتان احتضنت عبرهما أفواجًا من الأولاد دخلوها بعمر الورود، فأضحى معظمهم نوابغ مبرّزين في مختلف المجالات. فكان منهم بطاركة وأساقفة وكهنة صنفوا المجلدات وحققوا المخطوطات، وترجموا الروائع وشاركوا في المجامع المقدسة، وعمّروا الكنائس وأنشأوا المدارس، وأرسوا أسس النهضة العلمية، فعرّفوا الشرق على الغرب ونقلوا إلى الغرب تراث الشرق.

خدموا الكنيسة في وطنهم الأم وفي العواصم الأوروبية، فشعّوا وبفضلهم شاع القول:"عالِم كماروني"، والتحق بعضهم بالرهبانيات الغربية فلمعوا بين أبنائها.

نستند في هذه الدراسة إلى بعض ما كتبه المطران ناصر الجميل والأبوان ابراهيم حرفوش واغناطيوس سعاده من المرسلين اللبنانيين والدكتور جان نخول من بقسميا – البترون عن تلك المدرسة:

يقسم تاريخ المدرسة المارونية إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: أخذت طلائع أفواج التلامذة تفد إلى روما منذ سنة 1579 على 3 دُفعات متلاحقة. أما التاريخ الرسمي فيبدأ مع براءة التأسيس التي أصدرها البابا غريغوريوس الثالث عشر سنة 1584.

عُهدت إدارة المدرسة إلى الآباء اليسوعيين، وكان التلامذة يذهبون يوميًا، قبل الظهر وبعده، لتلقي الدروس في المعهد الروماني القريب من مبنى المدرسة والتابع للرهبنة اليسوعية أيضًا. وعندما حلّ البابا إكيمنضوس الرابع عشر هذه الرهبنة سنة 1773 كُلّف كهنة أبرشية روما بإدارة المدرسة، وأخذ التلامذة يتعلمون في معهد البروباغندا.

بعد احتلال نابوليون روما ووضعِ يدِه على ممتلكات الكنيسة سنة 1798، نُقل الطلاب إلى دير اللعازريين حتى سنة 1822، بعدها إلى مباني البروباغندا محافظين فيها على زيّهم الخاص، وأخذ عددهم يتضاءل سنة بعد سنة حتى أواخر القرن التاسع عشر.

دخل المدرسة المارونية في مرحلتها الأولى حوالى 300 طالب، لم يتمكن المؤرخون من معرفة أسماء الذين لم يصلوا منهم إلى الكهنوت، سواء بسبب الوفاة باكرًا أم المرض أو عدم الأهلية، وتخرج منها 10 بطاركة وحوالى 30 أسقفًا. أما الباقون فخدموا في الكهنوت، منهم 25 انضمّوا إلى الرهبانيات الغربية حصدَ اليسوعيون منهم 20 دعوة.

بالعودة إلى ما كتبه البحاثة عن المدرسة، ذكر أن البعثة الثالثة التي سبقت تاريخ التأسيس بسنة واحدة، رافقها 3 كهنة لإجراء التحضيرات على الأرض، بينهم الراهب يعقوب بن سركيس من حردين - البترون من رهبانية مار أنطونيوس قزحيا، الذي كُلّف الإشراف على تجهيز البيت الذي قدّمه الحبر الأعظم لايواء التلامذة.

في سنة التأسيس بالذات (1584)، ورد في إحدى اللوائح أسماء فوج كبير من 20 طالبًا منهم 6 لم تذكر اللائحة أسماءهم بل أسماء بلداتهم فقط.

في لائحة تعود إلى سنة 1611، أرسل البطريرك يوحنا مخلوف 8 طلاب، وفي لائحة أخرى تعود إلى العام 1625 أسماء 10 طلاب أرسلهم أيضًا البطريرك يوحنا مخلوف.

سنة 1641 أرسل البطريرك جرجس عميره فوجًا من الطلاب بإدارة سمعان بن هارون من تولا – البترون، الذي كان طالبًا في فوج 1625 وكان من بين هذا الفوج الطلاب يوسف وبطرس ابنا شقيقة البطريرك وهما من بلدة رام في جرد بلاد البترون، والتلميذ (الطوباوي) اسطفان الدويهي.

وجاء في بعض اللوائح أن البطريرك يوحنا الصفراوي أرسل سنة 1650 أربعة تلامذة، وفي 5 نيسان 1655، وعلى يد البطريرك الصفراوي أيضًا، دخل روما 7 تلامذة، وفي أوائل نيسان 1669، أوفد البطريرك جرجس السبعلي 9 أولاد، وفي أواخر أيام البطريرك اسطفان الدويهي، دخل المدرسة سنة 1704، سبعة طلاب وبعد عودتهم إلى لبنان أسسوا سنة 1725 أخوية رسولية للوعظ والإرشاد في القرى المارونية، حيث راحوا يجولون على الرعايا المارونية وخلال انعقاد المجمع اللبناني وبتكليف منه، قام بعض مؤسسي هذه الأخوية بفحص بعض القضايا المتعلقة بالرهبان وتقديم التقارير عنها من دون أن يشاركوا في المجمع.

في العام 1732 أثناء بطريركية يعقوب عواد انضم إلى المدرسة 9 طلاب، وفي العام 1739 في عهد البطريرك يوسف ضرغام الخازن التحق بالمدرسة 8 طلاب وفي زمن البطريرك سمعان عواد الحصروني وصل إلى روما أكثر من وفد منهم 7 طلاب سنة 1750 ومن الوفود التي وصلت إلى روما 6 طلاب أرسلهم البطريرك يوسف اسطفان سنة 1765.

خلال انعقاد مجمع وطا الجوز، الذي دعا إليه البطريرك يوسف اسطفان سنة 1786، شارك فيه 6 من الكهنة تلامذة روما.

تتابع إرسال الطلاب سنويًا تقريبًا، وكان يتراوح عددهم كل سنة ما بين 6 إلى 12 طالبًا.

مطلع القرن التاسع عشر، انتقل تلامذة المدرسة إلى البروباغندا إقامة ودرسًا وما عاد هناك إدارة مارونية مستقلة لها، وفي فوج سنة 1866 دخل المدرسة المكرم البطريرك الياس الحويك.

المرحلة الثانية: كان بطاركة القرن التاسع عشر سعوا مرارًا إلى تجديد المدرسة وإعادة التلامذة من البروباغندا وجمعهم تحت إدارة مارونية مستقلة فلم يوفقوا، إلى أن انتُخب البطريرك يوحنا الحاج سنة 1890، فأوفد نائبه المطران الياس الحويك إلى روما ليلتمس له درع التثبيت من البابا لاون الثالث عشر ويخابره بشأن تجديد المدرسة.

ناضل المطران الحويك طوال 3 سنوات من أجل فتح المدرسة، وبعد أن حصل على موافقة الكرسي الرسولي أجرى اتصالات على أرفع المستويات الأوروبية لجمع المساعدات لشراء بناية جديدة بدل القديمة التي بيعت بعد نابوليون من إحدى العائلات الرومانية وهي اليوم منـزل سكني عادي، فكان أن تكللت مساعيه بالنجاح، وفتحت المدرسة الجديدة أبوابها لاستقبال الإكليريكيين سنة 1893 تحت إدارة مارونية مستقلة، واستمرت حتى سنة 1939 تاريخ اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان التلامذة يتلقون دروسهم في المعاهد الرومانية.

في هذه المرحلة تم إحصاء أسماء 115 خرّيجًا، منهم الكردينالان البطريركان بولس المعوشي (1955 – 1975) وأنطونيوس خريش (1975 – 1985) والمطارنة بولس عقل والياس ريشا وبطرس صفير وعبد الله نجيم وفيليب شبيعه والكلداني العراقي يوسف بابانا الذي قُبِل في المدرسة مع رفيق من طائفته بصورة استثنائية، كما تخرّج منها 4 رؤساء عامين هم: انطونيوس العنداري ويوحنا سعاده من جمعية المرسلين اللبنانيين، وبرناردوس غبيره من الرهبنة الانطونية، وجبرائيل الشمالي من الرهبنة الحلبية (المريمية حاليًا)، إضافةً إلى 15 خوراسقفًا.

أما الذين لم يصلوا إلى الكهنوت فيتراوح عددهم بين 20 و22 طالبًا منهم 3 توفوا على مقاعد الدراسة في روما والآخرون عادوا إلى البلاد بسبب المرض أو لعدم توفر مقومات الدعوة عندهم.

وصلت البعثة الأولى إلى روما في 13 تشرين الأول 1893، وقوامها 12 إكليريكيًا برفقة الرئيس المعيّن الخوري جبرائيل مبارك من ريفون - كسروان، وانضم إليهم 3 رهبان حلبيين من ديرهم في روما.

تسلم سنة 1897 المطران الياس الحويك رئاسة المدرسة، وعندما انتخب بطريركًا سنة 1899 أوكل إدارتها إلى الخوري الياس شديد من اده – البترون، وسنة 1906 خلفه الخوراسقف نعمة الله أبي كرم من برمانا – المتن الشمالي، وعاد الخوري الياس شديد إلى المدرسة سنة 1913، لإعادة إطلاقها وبقي رئيسها حتى 1926 عندما تمت رسامته مطرانًا ونائبًا بطريريكيًا على البترون.

وكانت توقفت المدرسة في الفترة الواقعة بين السنوات 1912 - 1920، بسبب بعض أوضاع داخلية فيها وجاء اندلاع الحرب العالمية الأولى ليؤخر إعادة إطلاقها، وفي هذا الوقت كان تم نقل الطلاب إلى مدرسة الكابرانيكا والفلاسفة إلى مدرسة الليونيانا، وكان عددهم 17 طالباً.

بعد إعادة فتحها تلقت رفدًا جديدًا بدخول فوج كبير من 20 تلميذًا سافروا إليها من لبنان، نصفهم من جمعية المرسلين اللبنانيين، ومن تلك السنة بدأ يصل إليها كل سنة ما بين 15 و20 طالبًا حتى إقفالها.

إقفال المدرسة وعودة الطلاب إلى لبنان

اندلعت عام 1939 الحرب العالمية الثانية ودخلتها إيطاليا إلى جانب ألمانيا فأقفلت المدرسة، وبدأ الطلاب رحلة عودتهم إلى لبنان.

كان آخر من غادروا روما الطلاب: الخوري ميشال خليفة من راشانا – البترون، والخوري بطرس ضو من محمرش – البترون، والخوري الياس القارح من الشياح – بعبدا.

لم يتمكنوا من ركوب أي سفينة، وقرروا العودة برًا فغادروا روما سالكين دروب أوروبا تارة بالقطار أو بالسيارة وحتى في بعض الأوقات اضطروا لقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام وكانوا يبيتون لياليهم في الفنادق والأديرة وفي الحقول في رحلة شاقة جدًا. وبعد أن قطعوا آلاف الكيلومترات عابرين إيطاليا، يوغوسلافيا، اليونان، تركيا، سوريا، وصلوا أواخر العام 1940 إلى لبنان.

لعب من تخرجوا من تلك المدرسة في مرحلتيها أدوارًا ذات أهمية كبرى في تطوير المجتمع اللبناني، فكانوا الرواد في إنشاء شبكة مدارس في جبل لبنان، وفي سنة 1610 أسسوا أول مطبعة في الشرق في دير مار أنطونيوس قزحيا. واحتل تلامذة آخرون من خرّيجي هذه المدرسة مراكز ذات أهمية كبرى في المؤسسات العالمية الكبرى في أوروبا أمثال: جبرائيل الصهيوني الذي كان استاذ اللغات الشرقية في المعهد الملكي في فرنسا College Royal de France وابراهيم الحاقلاني الذي كان قيّمًا على المكتبة الشرقية في فرنسا ومرهج ابن نيرون الباني الذي كان استاذًا ومترجمًا.

أما يوسف سمعان السمعاني الذي كان مدير المكتبة الفاتيكانية الشهيرة، فتميز بسعة علمه وبأبحاثه في اللغات: السريانية والعربية والعبرية والتركية والفارسية والأثيوبية ونشر هذه الأبحاث في مجموعته Bibliotheca Orentalis التي لا تزال ليومنا هذا مرجعًا من المراجع الأساسية.

هؤلاء الرجال وغيرهم من العلماء الموارنة هم الذين جعلوا الأوروبيين يرددون المثل المأثور "ذو علم واسع كرجل ماروني".

لن يتسع المجال لتعداد من تخرج من الكهنة والرهبان من تلك المدرسة وسنكتفي بذكر البطاركة الذين تخرجوا منها في مرحلتها الأولى:

كان أولهم البطريرك جرجس عميره الإهدني (1633 – 1644) الذي حمل الرقم 53 من سلسلة البطاركة الموارنة.

ثاني البطاركة الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي الكبير (1670 – 1704) الذي حمل الرقم 57 من سلسلة البطاركة الموارنة.

ثالث البطاركة: يعقوب عواد من حصرون في جبة بشري (1706 – 1733) حامل رقم 59 في سلسلة البطاركة الموارنة.

رابع البطاركة: سمعان عواد الحصروني (1742 – 1756) الذي حمل رقم 61 في سلسلة البطاركة الموارنة.

خامس البطاركة: يوسف إسطفان (1766 – 1793) من غوسطا في كسروان حامل الرقم 63 في سلسلة البطاركة الموارنة.

سادس البطاركة: يوسف التيان (1796 – 1809) حامل الرقم 66 من سلسلة البطاركة الموارنة وهو من بيروت وتعود أصوله إلى بلدة حدتون في جرد بلاد البترون.

سابع البطاركة: يوحنا الحلو (1809 – 1823) البطريرك رقم 67 وهو من غوسطا في كسروان.

ثامن البطاركة: البطريرك رقم 70 بولس مسعد (1854 – 1890) من عشقوت - كسروان.

تاسع البطاركة: يوحنا الحاج (1890 – 1898) حامل الرقم 71 في سلسلة البطاركة الموارنة، وهو من دلبتا - كسروان في عهده تجددت المدرسة.

عاشر البطاركة: المكرم الياس الحويك محقق دولة لبنان الكبير (1899 – 1931) البطريرك 72 من سلسلة البطاركة الموارنة وهو من حلتا - البترون.

من الثابت أن المدرسة المارونية في روما فتحت المجال أمام الموارنة للخروج من عزلتهم الثقافية فسمحت لهم أن يظلّوا في اتصال مستمر مع الفكر الغربي قبل أن يصبحوا في ما بعد روّادًا للنهضة العربية.

وولّدت فيهم هذه المدرسة اقتناعًا راسخًا بأهمية التثقيف وهكذا قرر المجمع اللبناني المنعقد في اللويزة سنة 1736 بإصرار ممن تخرجوا منها ما يلي: "... نحرّض باسم يسوع المسيح مطارنة الأبرشيات والمدن والقرى والأديرة أن يتعاونوا على تشجيع هذا العمل الذي سوف يعطي ثمارًا كثيرة. عليهم أن يجدوا معلمًا حيث لا يوجد معلم وأن يسجلوا أسماء الأولاد المؤهلين لاقتباس العلم وأن يأمروا الأهل بأن يصطحبوا أولادهم إلى المدرسة حتى ولو غصبًا عنهم. وإذا كان هؤلاء الأولاد أيتامًا أو فقراء فعلى الكنيسة أو الدير أن يتكفلا بغذائهم وإن لم تكن الكنيسة قادرة على القيام بهذه المهمة فليتقاسم الكنيسة وأهلهم مصروف طعامهم...".

هذا القرار الذي اتخذه آباء المجمع. هو السبب الذي من أجله حتى في يومنا هذا يعتبر الأهل أن تعليم أولادهم وتثقيفهم هما من أولويات الحياة المطلقة مهما كلفهم الأمر، ويمكننا القول إن إنشاء المدارس كان ولا يزال أحد أسباب افتخار الموارنة في بناء لبنان الحديث. وهم الذين فتحوا أبواب مدارسهم أمام طلاب كل البلدان العربية وكل الأديان والطوائف وحولوا لبنان إلى مصدر لإشعاع النشاطات الثقافية، وأساس كل ذلك المدرسة المارونية في روما.