أبو زهير

زيارة البابا ذكّرتني بالماما

دقيقتان للقراءة

رحم الله أمي الحاجة أم رياض وأسكنها فسيح جناته. لا أعرف لماذا استذكرها في هذه الأيام إلى هذا الحدّ، خصوصًا خلال زيارة البابا لاوون التي انتهت ظهر أمس، فأصابنا الحزن ونحن نرافق طائرته الإيطالية الزرقاء وهي تغادر من أحد مدارج مطار رفيق الحريري الدولي.

تلك الزيارة على جمالها وأهميتها لسائر اللبنانيين، تزامنت مع أجواء تهويل من الداخل والخارج عن إمكان تنفيذ إسرائيل، جولة حربية جديدة لن تكون هذه المرة ضد "حزب الله" فحسب، وإنما ضد كل لبنان كما يُشاع ويقال، وذلك نتيجة تقاعس السلطة عن القيام بواجباتها لناحية حصر السلاح بيدها المغلولة!

هذا الجو التهويلي، هو تحديدًا ما دفعني لأتذكر "الماما" بمناسبة زيارة "البابا". كانت أمي "عيّوقة" تحترم الضيف وتُكرم كل من دخل بيتها. تهتم بأبسط التفاصيل: القهوة، الملبّس عَ لوز، حبة الشوكولاته والصنوبرية... كانت مغرمة بالنظافة والترتيب، وأنا وإخوتي كان همّنا الأوحد: اللعب و"الشيطنة" في حضرة الغرباء... وهذا أكثر ما كان يغيظها.

كنت أتباهى أمام كل ضيف يطرق بابنا، بقدراتي الجبارة على القفز من فوق الخزانة والشقلبة من تحت الكراسي وطاولة الطعام، وهي تنهرني بنظراتها من دون أن تتفوّه بحرف أو تنبس ببنت شفة.

كانت تسترق النظرات وتشير لي بيدها بما يعني: "هلق بتشوف لما يروحوا الضيوف"، مُنذرة إيايّ بأن "القتلة" تنتظرني فور رحيلهم... وهذا ما كان يحصل غالبًا. ما خلا بعض المرات التي يأتي أبي خلالها باكرًا من العمل، فتتلهى في تحضير العشاء، فنزمط أنا وإخوتي من "قطوع" عنوانه: "المشاية" البلاستيك أو "القشاط" (حزام الجلد) الخاص بوالدي الحاج أبو رياض.

زيارة البابا والتهويلات التي ترافقت معها كانت تشبه تلك السالفة... وكأن إسرائيل تقول لـ "حزب الله"، وربّما لنا كلنا بطريقة غير مباشرة: هلق بتشوفوا لما يفلّوا الضيوف... وما حضور "إم كامل" (المسيرة) فور إقلاع طائرة البابا من المدرج إلّا أشارة إلى جدية التهديد. 

رحل البابا وتركنا هنا... تركنا لمصيرنا المشؤوم مع جماعات لا ينفع معهم لا "قشاط" ولا "مشاية" بلاستيكة ولا حتى كرباج... فالله يستر.