جنى جبّور

"هاشلة بربارة" في خطر

هل ينتصر القرع المنحوت أم القمح والقطايف؟

3 دقائق للقراءة

الليلة، بينما تتزين شوارعنا بضحكات أطفالنا ووقع خطاهم المرحة وهم يتجولون متنكرين بين البيوت، مُعلنين بدء احتفالات عيد القديسة بربارة (الذي يحل غدًا في 4 كانون الأول)، ينتابنا قلق مشروع. ففي السنوات الأخيرة، أخذت أصالة هذا المشهد تتلاشى، بعدما تداخلت طقوسنا بشكل مربك مع موجة احتفالات "الهالوين"، الذي احتُفل به في 31 تشرين الأول.

على النقيض، يمكن وصف "الهالوين" بأنه مناسبة تجارية خالية من الجذور الروحانية، تروّج للرعب والأزياء الجاهزة فحسب. أما عيدنا، فيمتلك قصة وبُعدًا عميقًا يجب أن نحرص على حمايته. لذلك، يجب أن يكون طعم عيد البربارة مختلفًا وأن يحمل عبق القصة. فنحن نحتفل بذكرى فتاة عظيمة، هي القديسة بربارة، التي لم يمنعها عزل والدها ديوسقوروس في البرج من اكتشاف إيمانها المسيحي وتحدّيه. وعندما أصرت على أن تكون ثلاث نوافذ في البرج كرمز للثالوث الأقدس، ثم واجهت مصيرها بشجاعة نادرة، قدمت لنا أعظم درس في الثبات على المبدأ.

من هنا نبدأ بالأزياء. التنكر في عيدنا ليس للإخافة، بل إحياء لتمويه بربارة وهربها من بطش والدها. فبعد أن كُشف أمر إيمانها، يُعتقد أن القديسة تنكّرت بزيّ فلاح بسيط واختبأت في حقل واسع من القمح، في محاولة يائسة للنجاة. وهذا ما نستحضره اليوم. لذلك تعلو الصرخة، ولا سيما بين الأكبر سنًا، على أهمية أن يرتدي الأطفال الأزياء البسيطة التي تعكس البراءة أو مهنًا تقليدية، بعيدًا من أزياء الرعب المستوردة. أما عن الحلوى، فبدلًا من التركيز على ما يُجمع من الجيران والتهديد بصيحة "خدعة أو حلوى" المشروطة، يجب أن نركز على ما نصنع في بيوتنا: القمح المسلوق بالقلوبات والقطايف، على وقع الأغنية الشعبية "هاشلة بربارة".

فلهذه العادات، عدا عن طعمها اللذيذ، رمزيات عميقة؛ فالقمح رمز للحياة الجديدة والبعث الذي ينبت من الأرض، ويجب أن يكون تحضيره طقسًا عائليًا يشارك فيه الأطفال لتترسخ في ذاكرتهم نكهة الأصالة، عوضًا عن نحت القرع. وتلك العادة الجميلة التي يمارسها الكثيرون بزرع الحبوب ووضعها قرب شجرة عيد الميلاد، هدفها رمزي وروحي، فهي ترمز إلى "رجاء القيامة" ونمو الحياة من الموت، وكأنها تذكير بأن النور سيأتي وأن الإيمان يثمر. أما القطايف، فهي ملكة هذا العيد، إن كانت محشوة بالجوز أو القشطة، وخير دليل على الكرم والبركة.

ختامًا، ومع كل العولمة وتبَنّي العادات الغريبة، قد يعتبر البعض أن هذا التداخل طبيعي. إلا أن مسؤوليتنا جميعًا، نحن الأهل والمعنيين في المدارس والمجتمع، تحويل هذا التقليد من مجرد عادة سنوية إلى قيمة ثقافية محصنة. لذلك لا يجب الاكتفاء بالاحتفال العابر، بل الحرص على أن تبقى روحانية العيد هي البوصلة، وأن تكون اللحظات التي نصنعها أصيلة تليق بعيد القديسة بربارة. عاداتنا جميلة، فلنتمسك بها... ولنصنع الذكريات التي تليق بقصتنا!