أورور كرم

ماذا جنت سوريا بعد عام على سقوط نظام الأسد؟

4 دقائق للقراءة
تحظى دمشق بدعم إدارة ترامب (رويترز)

بعد عام على سقوط نظام الأسد، تبدو سوريا اليوم دولة مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفها العالم خلال السنوات الماضية. فها هي اليوم أمام استدارة سياسية تاريخية اكتملت أوصافها مع اكتمال العام الأوّل. المرحلة السياسية التي طبعت عهد النظام السابق انتهت، لتحلّ مكانها مقاربة جديدة يقودها الرئيس أحمد الشرع، الرجل الذي شكّل وصوله إلى السلطة مفاجأة لكثيرين، وصدمة لمَن اعتقدوا أن سوريا لا يمكن أن تُحكم خارج القبضة الأمنية أو خارج المحور الإيراني. فأتى سقوط سوريا الأسد ليمهّد أيضًا لانهيار المحور الإيراني.

أثبتت الأشهر الماضية أن الشرع، وخلافًا لكلّ ما رُوّج عنه، هو الذي أخرج سوريا من المسار الممانع وأعادها إلى المسار الطبيعي، أي التعاون والازدهار العربي، وعادت لاعبًا أساسيًا في المنطقة بعدما كان يتقاسمها كلّ من الروس والإيرانيين وغيرهم. أصبحت سوريا اليوم شريكًا أساسيًا في اللعبة وتجلّى ذلك بلقاء الرئيس الشرع بنظيره الأميركي دونالد ترامب، كما بالدعم الأميركي المستمرّ حتى في وجه الإسرائيلي.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن الشرع يتعامل مع الحكم بمنطق مختلف. فهو رئيس يعرف أن الشرعية في سوريا لا تُبنى على الشعارات بل على القدرة على إعادة بناء الدولة المنهارة. ولذلك، بدأ من المسار الذي تجاهله النظام السابق لسنوات: المسار العربي. فبعدما حوّل الأسد سوريا إلى ورقة تفاوض في يد إيران، اختار الشرع أن ينتزع القرار السوري من هذا المحور، وأن يفتح نافذة واسعة في اتجاه الخليج، وتحديدًا السعودية وقطر والإمارات. هذا التحوّل لم يكن مجرّد تموضع سياسي، بل كان إعلانًا أن سوريا تعود إلى هويتها العربية وأن زمن الارتهان لمحاور خارجية انتهى.

وأحد أبرز المؤشرات إلى هذا النهج الجديد، كان إدخال الوزيرة المسيحية هند قبوات إلى الحكومة، في خطوة شكّلت نقلة رمزية كبيرة داخل بلد حاول البعض تصويره وكأنه يتجه نحو التشدّد. هي خطوة نسفت بالكامل الخطاب الذي تبناه المحور الممانع لتشويه صورة الرئيس الجديد، إذ حاول لأسابيع الترويج لفكرة أن أحمد الشرع "متطرّف" و"غير مؤهّل" للحكم، وصولًا إلى حملات سخرية تناولت مظهره وطريقة لباسه. لكن الرجل الذي اتهم بأنه لا يعرف حتى كيف يربط ربطة العنق، هو نفسه الذي تمكّن خلال أشهر قليلة من فرض صورة مختلفة. صورة رئيس براغماتي، منفتح، قادر على اتخاذ قرارات صعبة ويمتلك الجرأة لفكّ ارتباط سوريا بإيران وإعادتها إلى مكانها الطبيعي.

هذا المسار السياسي ترافق مع مسار اقتصادي لا يقلّ أهمية. ففي بلد عاش انهيارًا غير مسبوق، بدأ الاقتصاد السوري يلتقط أنفاسه للمرّة الأولى منذ سنوات. فالمشاريع التي أُطلقت أخيرًا لا يمكن وصفها بالخطط الورقية. هناك مشروع بناء مطار جديد بقيمة 4 مليارات دولار، وهو من أكبر المشاريع الاستثمارية في البلاد منذ بداية الحرب، فضلًا عن تطوير شامل لمرفأي اللاذقية وطرطوس بهدف تحويلهما إلى ممرّين تجاريين قادرين على استيعاب الحركة الإقليمية المتزايدة. وإلى جانب ذلك، تساعد قطر في إعادة تأهيل قطاع الكهرباء، بالتوازي مع خطة سورية تهدف للوصول إلى تغذية 24/24 بحلول عام 2030، وهو هدف كان يبدو شبه مستحيل قبل سقوط النظام السابق.

أمّا التطور الأبرز اقتصاديًا، فكان منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025، الذي جمع 120 رجل أعمال سعوديًا، وانتهى بتوقيع التزامات واستثمارات تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار، ما يعكس استعادة الثقة بسوريا وعودتها كسوق واعدة بعد سنوات من العزلة والانهيار. هذه الأرقام ليست تفصيلًا، بل مؤشرًا إلى أن الانفتاح العربي لم يكن خطوة رمزية، بل قرارًا استراتيجيًا بدعم سوريا الجديدة.

اليوم، وبعد سنة واحدة فقط على التحوّل، بات واضحًا أن سوريا تدخل مرحلة إعادة تكوين الدولة. التحدّيات ما زالت هائلة، لكن الفكرة التي حاول خصوم الشرع تسويقها عن "استحالة نهوض سوريا"، سقطت. فالبلد الذي استُهزئ برئيسه الجديد لأنه "لا يشبه رؤساء الماضي"، يمضي بثبات في مسار بناء سياسي واقتصادي مختلف تمامًا عن مرحلة الأسد. وما كان يُقال إنه حلم بعيد، بات يتحوّل تدريجيًا إلى واقع جديد: سوريا تعود لنفسها، ولعروبتها، وللدور الذي سُلب منها لسنوات طويلة.