المحامي محمد آصف ناصر

Rerum Novarum

6 دقائق للقراءة
البابا لاوون الثالث عشر

في الاصحاح الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا جاء: "قال له ثالثة يا سمعان بن يونا أتحبني فحزن بطرس لأنه قال له ثالثة أتحبني فقال له يا رب أنت تعلم كل شيء أنت تعرف إني احبك قال له يسوع ارع غنمي".

سمعان بن يونا، شمعون الصفا، بطرس الرسول، أسماء متعددة والمعنى واحد، الصخرة التي بنيت عليها البيعة وعليها لا تقوى أبواب الجحيم. ربط يسوع المسيح محبة بطرس له برعاية رعيته، وشمعون أوفى بالعهد من أحد العنصرة إلى يوم استشهاده في روما، قرب المسلة المصرية العتيقة، خط بطرس مسار الحبر الأعظم. مسارٌ عَبَر جدران الجحيم من اضطهاد هيرودوس أغريبا إلى نيرون على تلة فاتيكا حيث صُلِب سمعان بن يونا مقلوبا رأسًا على عقب، وصولا إلى مرسوم ميلانو حين رُفع السيف عن المسيحيين، وسرعان ما اضطر خليفة بطرس لاوون الأول العظيم أن ينتقل من الحوار العقائدي مع الكنائس المشرقية حول مؤتمر افسس وخلقيدونية الأول لأن يلعب دورا سياسيا اجتماعيا في مفاوضاته مع أتيلا الهوني، وبعده الوندال، حماية لما تبقى من روما وحفظًا للإيمان المسيحي.

اقترن اسم لاوون في سدة البابوية بالتحديات الجسام، فلاوون اسم أنجز الكثير لو راجعنا تاريخ الكنيسة لوجدنا عند كل اسم لاوون تحديات اضطلع بها الحبر الأعظم لاوون بجدارة:

سقطت دولة الكنيسة في العام 1870 لصالح حركة الريزورجيمنتو (Risorgimento) ونشأت المسألة الرومانية، وأمسى الحبر الأعظم "حبيس الكرسي الرسولي" حتى اتفاقية لاتيران 1929 التي عدلها البابا يوحنا بولس الثاني بموجب كونكوردا العام 1984.

قضى الحبر الأعظم لاوون الثالث عشر حبريته "حبيس الكرسي الرسولي"، ولم يمنعه ذلك من النهوض بتحديات عصره التي ولّدتها الثورة الصناعية فأصدر رسالته "حول الأمور الجديدة" Rerum Novarum التي انصبت على تبيان القواعد الانجيلية في ميثاق كرامة الإنسان العامل.

كانت هذه الوثيقة ميثاقا مؤسسًا لشرعة حقوق الانسان وبيانا عميق الدلالة لتحديد ماهية الحقوق في زمن اهتزت فيه المعايير وتحول الانسان فيه إلى سلعة. وكما واجه لاوون الأول العظيم الوثنيين الهون والوندال الذين روّعوا أوروبا في القرن الخامس، واجه الحبر الأعظم لاوون الثالث عشر تغوّل المادة رغم انعدام السلطة الزمنية بعد سقوط دولة الكنيسة.

تجاوزت مساحة دولة الكنيسة 44,000 كم2 ومع اتفاقية لاتيران تقلصت إلى 0.44 كم2، لكن مع كل ضمور وانكماش مادي، ترى الكنيسة تزيد اتساعًا ونفوذًا، فالكنيسة تحررت من المادة والتصقت أكثر بالروح وانتقلت من دولة باباوية إلى منظومة محبة عالمية.

تحرر المؤسسة الدينية من السلطة الزمنية أعطى المؤسسة زخمًا وبعدًا أرقى، وبسط معرفتها ونظمها الفكرية والعقدية على مدى روحي أكبر من رقعة الدول، وهذا ما ترجمته تجارب كافة المؤسسات الدينية على وجه البسيطة، من الهندوسية والكنفوشية والبوذية التبيتية (أتباع الدلايلاما) وحتى اليابان بعدما فصلت عبادة الامبراطور عن النظام السياسي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كذلك الاسماعيلية مع سقوط الخلافة الفاطمية وبعدها قلعة ألموت اتخذت مدى أكثر عالمية مع الآغا خان، والمذاهب الإسلامية السنية الأشعرية والمتريدية والصوفية اتسعت فضاءاتها بعد تحررها من القيود السلطوية وانهاء الخلافة العثمانية في العام 1924، أما عند الشيعة الاثني عشرية فكانت المنظومة المؤسسية الناشئة من الحوزات ومراجع التقليد القديمة بعيدة عن السلطوية نهج خرج عليه فكر ولي الفقيه متأثرا بالإسلام السياسي ما شكّل منعطفًا مع الثورة الإسلامية في إيران من فكر ثوري إلى دين سلطة، فأصبحت إيران دولة ولي الفقيه على منوال الدولة البابوية التي انتهت في العام 1870، فبدل من أن تتسع فضاءات الفكر الديني ويتحرر من حسابات الدول أورد نظام الثورة الإسلامية الفكر الديني الشيعي موردًا هجرته باقي الأديان.

أما العلويون فلم تكن ممارستهم منتظمة في إطار مؤسسي ولا نظام سلطوي ولا يوجد في سجلات التاريخ دولة علوية بمفهومها الديني فحتى دولة بني حمدان وبني عمار التي حكمهما علويون لم يكن منهاج الحكم فيهما علويا فمنطلقات الفكر العلوي اعتماد العرفان الصوفي والاعتقاد الديني بشكل فردي عرفاني وليس منهاجا صلبًا متماسكًا يفرض على أتباع هذا الفكر تراتبية مؤسساتية، وإنما هو أشبه بمدارس فلسفية يكون النهج الديني فيها روحانيا محضًا منفصل عن مفاهيم السلطة والحكم.

هذا النسق يجعل من التحديات التي يواجهها العلوي اليوم في الساحل الشرقي للمتوسط، أشبه ما تكون بالتحديات التي واجهها البابا لاوون الأول العظيم في مواجهة القبائل الجرمانية، وتجعل من الشيخ غزال غزال رمزًا شعبيًا علويًا يطالب بحماية حق العلويين بالحياة، فيحاور على طريقة المهاتما غاندي بأسلوب يطرح من مسلمات الوجود قضية. قضية غابت عن كلمة رئيس المجلس الإسلامي العلوي في لبنان امام الحبر الأعظم، فكانت كلمته عبارة عن كلمة ترحيبية خلت حتى من أي تلميح إلى التحديات الوجودية التي يتعرض لها العلويون، على خلاف المراجع الدينية المحمدية الثلاث الذين ضمن كل منهم هواجس مجتمعه في كلمته.

منهجية الأمور الجديدة التي تحدد ميثاق حفظ كرامة الانسان وتحث العاملين على نبذ خلافاتهم قصيرة الأمد والبروز الظرفي إلى تأطير في نمطيات محدثة تبتعد عن أفكار رسخها مئة عام من حيرة الهوية الوطنية، فالهوية الوطنية لا تحددها معارك ظرفية ولا تشكل بوصلتها "قضية مركزية" لشعب آخر، فالقضية المركزية هي الانسان وحقه بالحياة، فلا يستقيم أن يأسر جماعة المكتب السياسي مستقبل شعب كامل في حسابات معركة انقضت بينما يعاني الانسان من ضمور مؤشرات التنمية البشرية.

كان خطاب الحبر الأعظم في بيروت عنوان مرحلة جديدة، مرحلة سلام توجب العناية بالأجيال المقبلة والعمل على حفظ كرامة الانسان، وحفظ الكرامة لا يستقيم مع تعثر الخدمات الصحية وتراجع التعليم الرسمي وتدني الدخل الفردي، وكرامة الانسان لا تستقيم مع تباطؤ مؤشرات الحوكمة والشفافية واضطراب ميزان العدالة نتيجة تضعضع الواقع الاقتصادي. أي ميثاق جديد للبنان والمنطقة يجب أن يكون خارج التأطير الديني، وخارج القدسيات الصنمية، فلا قدسية لسلاح ولا لحزب، ولا ثابت إلا مصلحة المواطن.

في دولة مثل كوريا الجنوبية وهي دولة على فالق صراعات الأمم، أو دولة كسنغافورة تحتل جزءًا صغيرًا من زاوية الأرض، تجد مؤشر التنمية البشرية من الأعلى في العالم، أما في أرض كنعان، التي تشكل مركز التجارة العالمية وتحتضن مرافئ آسيا الغربية وتشكل عقد الوصل في منتصف العالم ترى معدلات التنمية البشرية في أدنى مستوى والمواطن أنهكته الولاءات الهجينة والأفكار التي لم تعد تناسب الآتي من الأيام.

لكي نحيا يجب أن نتحرر من الأفكار القديمة وأن نحطم صنم الموروث ونخرج من التقوقع المحلي إلى فضاءات التشاركية الفعالة، ليكون الفكر الديني الحاكم الأعلى والضابط الأدق لأخلاقيات المجتمع والناظم لمبادئ الحياة الكريمة.