حملت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان طابعًا روحيًا وسياسيًا مهمًا، وقد نجحت على مستوى التنظيم والرمزية، وأظهرت مرة جديدة قدرة اللبنانيين على استقبال العالم بصورة حضارية تعكس وجهًا مشرقًا من وجوه هذا البلد. وفي الأيام التي رافقت الزيارة، جرت محاولة إبراز حالة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين وإظهارها على أنها الدليل الحاسم على متانة التجربة اللبنانية. ولا شك أن هذا العيش المشترك موجود، بل يشكل إحدى أجمل ميزات مجتمعنا.
غير أنّ هذه الصورة، على أهميتها، لم تكشف سوى نسبة ضئيلة جدًا من الواقع اللبناني المعقّد. فالزيارة، بما فيها من احتفاء وتفاعل شعبي، لم تلامس جوهر الأزمة الوطنية، لأن المشكلة في لبنان ليست مشكلة علاقات بين مكوّنات المجتمع بقدر ما هي أزمة بنية سياسية مأزومة تقف عاجزة أمام تحديات العصر. إنّ الإشكال الحقيقي يتصل بطبيعة النظام السياسي اللبناني وتركيبته التي أثبتت عجزًا بنيويًا عن إدارة هذا التنوّع وضمان الاستقرار.
ماذا لو سأل قداسة البابا، عند رؤيته مشهدية التلاقي المسيحي ـ الإسلامي، السؤال الآتي: "هذا التنوّع جميل، ولكن كيف تديرونه؟ وهل نجح النظام الذي تحاولون من خلاله، منذ سنة 1926، إدارة هذا التنوّع الجميل؟
من منظور أكاديمي ـ سياسي، يمكن القول إن النظام اللبناني الحالي يعمل وفق بنية مركزية متضخّمة وآليات تقاسم سلطة تتعارض مع مبادئ الحكم المثالي. فهو نظام قائم على توافقات ظرفية أكثر منه على مؤسسات مستقرة، وعلى أعراف هشّة أكثر منها على قواعد دستورية قابلة للاستمرار والتطبيق. وقد أظهرت التجربة أنّ هذه الصيغة لا تنتج دولة فعّالة، بل تدور باستمرار في حلقة مفرغة من الفراغ الدستوري، وتضارب الصلاحيات، وشلل المؤسسات، وتوتر العلاقات بين المكوّنات.
ولعلّ ما زاد المشهد غرابة أنّ رئاسة الجمهورية، المولجة بتنظيم الزيارة، لم ترتّب أي لقاء للبابا مع القيادات المسيحية الأساسية، وهو الخلل التنظيمي الوحيد غير المبرَّر. فكان من البديهي، على المستوى البروتوكولي والسياسي، أن يلتقي على الأقل ممثلين عن الحزب المسيحي الذي قدّم أكبر عدد من الشهداء في خدمة الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، والذي لولاه لما استطاع فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أن ينظّم أي احتفال لاستقبال قداسة البابا. وكان من الطبيعي أن يشمل ذلك رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، رئيس أكبر تكتّل نيابي مسيحي في الشرق الأوسط. إنّ تجاوز هذا المعطى ترك انطباعاً بأنّ الزيارة اكتفت بالبعد الاحتفالي دون مقاربة المشهد السياسي الحقيقي بمكوّناته الفعلية.
من هنا، يصبح من الضروري التأكيد على أنّ معالجة الأزمة اللبنانية لا يمكن أن تتم من خلال تحسين الصورة الخارجية أو الاقتصار على خطوات رمزية. فالإصلاح البنيوي هو وحده الطريق إلى الاستقرار. وتؤكد معظم الأدبيات السياسية المقارنة، خصوصاً تلك التي تدرس الدول المتعدّدة الثقافات، أنّ الصيغ اللامركزية العميقة أو الأنظمة الاتحادية توفر أعلى درجات الاستقرار والقدرة على إدارة التنوّع.
إنّ الانتقال إلى نظام اتحادي فدرالي ليس مشروع انفصال ولا محاولة لإعادة رسم الخرائط، بل هو إطار عملي لتنظيم التعدّد داخل دولة واحدة، بجيش واحد وسياسة خارجية ودفاعية ومالية موحّدة. فالفدرالية هنا تمنح كل مكوّن هامشاً مدروساً من الاستقلالية الإدارية، بما يخفّف حدّة الصراع المزمن على السلطة المركزية، ويعيد للدولة قدرتها على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة.
لقد رأى البابا لبنان الجميل، لكنّه لم يشهد الواقع السياسي المعطَّل ولا ركائز الأزمة البنيوية. ومسؤوليتنا، في هذه اللحظة المفصلية، أن نطرح بوضوح رؤية إصلاحية متكاملة لا تكتفي بتجميل الصورة، بل تعالج جذور الأزمة. وتبدأ هذه الرؤية بنزع سلاح حزب الله والمنظمات الفلسطينية، وحلّ حزب الله بهيكليّته الحالية، واشتراط إعطائه رخصة حزب سياسي بتغيير علمه المرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ودعوته للعودة إلى طريق لبنان وممارسة نشاطاته من خلال العمل السياسي فقط، أسوة بكل أحزاب لبنان. أمّا عدم تحقيق ذلك فسيكون آخر مسمار في نعش الرقم 10452.
لن يستقيم لبنان إلا بنظام يعكس تعدديته الحقيقية ويؤسّس لدولة قادرة، عادلة ومتوازنة.