جوزيف بوهيا

مفاوضات لتفادي الانفجار… لا لحلّ المشكلة

3 دقائق للقراءة

الأحداث المتسارعة على الحدود الجنوبية دفعت لبنان إلى طاولة الناقورة بوفد مدني للمرة الأولى، لكن الشكل الجديد لا يبدّل جوهر الحقيقة: المفاوضات ليست سعياً إلى تسوية، بل محاولة جماعية لتأجيل انفجار ملفّ السلاح. فالدولة التي تقدّم المسار كبحث “تقني” تعرف أنها تدخل عملياً في قلب النقاش الذي تهرّبت منه طويلاً: من يملك قرار الأمن؟

الناقورة ليست بحثاً في خطوط تماس، بل اختبار لنموذج لبناني متآكل يقوم على التعايش القسري بين شرعية الدولة وشرعية السلاح. ولأن هذا النموذج وصل إلى حدوده، يستخدم الجميع المفاوضات كغطاء: الدولة لتجنّب مواجهة داخلية، الثنائي لتجنّب ضغط دولي، والخارج لتجنّب حرب شاملة تهدد ما تبقّى من استقرار الإقليم.

الدولة تدرك أنّ انتقالها إلى وفد مدني لا يرمّم سلطة مفقودة، لكنه يمنحها وقتاً محدوداً لإقناع المجتمع الدولي بأنها شريك قادر، من دون أن تكون قادرة فعلياً على حسم القرار الأمني في الداخل. إنها ممارسة لإدارة الوقت لا لإدارة الدولة. فكل الوقائع تشير إلى أن السلطة الأمنية ما زالت موزّعة بين مؤسسات رسمية وقوة مسلّحة ذات حساباتها الخاصة—a توزيع لم يعد قابلاً للاستمرار في لحظة دولية تتجه إلى ضبط كل خطوط النار المفتوحة.

الثنائي بدوره ليس في موقع مريح. الحرب الأخيرة فرضت عليه واقعاً جديداً: دمار واسع، ضغط اقتصادي خانق، وتصاعد غير مسبوق للضغط الأميركي الذي يربط أي وقف دائم للنار بمسار سياسي–أمني واضح. لذلك يتعامل مع الناقورة كحاجز واقٍ يمتصّ عبره الضغط، ويترك للدولة أن تشتري له الوقت، مع معرفته أنّ هذا الوقت محدود وأنّ ملف السلاح لم يعد قابلاً للتجميد الطويل.

أما الخارج، وعلى رأسه الولايات المتحدة، فلا يدخل المفاوضات لتجميل الواقع بل لإعادة تشكيله. هو يرى في الناقورة مدخلاً لفرض معادلة جديدة: هدوء مقابل تقدّم تدريجي نحو توحيد السلطة الأمنية بيد الدولة. لا منطلقه عاطفي ولا سياسي، بل عملي: لا يمكن القبول ببلد يملك أكثر من قرار عسكري، خصوصاً حين يكون جاراً لإسرائيل.

من هنا، يصبح السؤال الفعلي، إلى متى يمكن للبنان أن يواصل التهرّب من السؤال الذي وُضع أمامه منذ اتفاق الطائف: هل الأمن قرار مركزي أم وظيفة موزّعة؟

ما تقدّمه هذه اللحظة التاريخية ليس فرصة للتطبيع ولا باباً لحرب جديدة، بل نافذة ضيقة لإعادة تعريف الدولة. وإذا استمرّ التعاطي مع الناقورة كوسيلة لتبريد الساحة من دون تغيير قواعد اللعبة، فسيتحوّل التأجيل نفسه إلى عامل تفجير لاحق—لأن الخارج لن ينتظر طويلاً، ولأن الداخل لم يعد يحتمل نموذجاً يعيش على خطوط التماس الداخلية قبل الخارجية.

الخلاصة واضحة: الناقورة ليست اتفاقاً، ولا مقدّمة لتسوية، ولا حتى مساحة اختبار للنوايا. إنها مساحة كشف: تكشف حدود الدولة، وحدود السلاح، وحدود ما يمكن للوقت أن يقدّمه.

لبنان اليوم أمام خيار وطني قبل أن يكون أمنياً، فإمّا إعادة بناء مفهوم السلطة على قاعدة واحدة، أو البقاء في نموذج مزدوج ينهار عند أول اهتزاز. اللحظة الحالية، مهما بدت ضبابية، تحمل شيئاً جديداً: لأوّل مرة، لم يعد النقاش حول السلاح مؤجّلاً إلى أجل غير مسمّى. الناقورة لم تُشِح بالنظر عنه… بل وضعت الضوء عليه، بكل وضوح، وبلا مجاملة.