الدكتور سايد حرقص

من الناقورة إلى بغداد… تحوّلات تُغيِّر قواعد اللعبة

4 دقائق للقراءة

من المؤكّد أنّ لبنان كان بحاجة إلى قرار جريء في زمنٍ مضطرب يفيض بالتحوّلات الكبرى. فبعد ساعات قليلة على مغادرة البابا لاوون الرابع عشر، استيقظ اللبنانيون على قرارٍ مفاجئ قضى بتعيين السفير السيادي الصلب سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني إلى «الميكانيزم». وقد جاء هذا التعيين كاختراقٍ للصمت الثقيل الذي خيّم على البلاد في ظلّ مخاوف متصاعدة من هجوم إسرائيلي واسعٍ سبق أن حذّر منه وزير خارجية مصر وعدد من المحلّلين الإقليميين والدوليين.

لم يتبيّن حتى الساعة ما إذا كان هذا التعيين قد أتى نتيجة استفادة رئيس الجمهورية من الزخم السياسي الذي ولدته زيارة البابا أو جاءت نتيجة تنسيق بين رئيس الجمهورية والحكومة والمجلس، أو بدفشة خارجية على طريقة أغنية فيروز في مسرحية ميس الريم: «هالسيارة مش عم تمشي؟ بدنا حدا يدفشها دفشة».

وبغضّ النظر عن الأسباب الحقيقية للتعيين، فإنّ الصدمة لم تكن في مضمون القرار فحسب، بل في وتيرة تنفيذه. فالتعيين صدر عن القصر الجمهوري عند الثامنة والنصف صباحاً، ليلتحق كرم باجتماع الناقورة بعد ساعتين فقط. هذا التسلسل الزمني السريع بدا كزلزالٍ سياسي صغير هزّ سردية «الممانعة»، وكشف في الوقت نفسه حجم المأزق السياسي والأمني الذي يعيشه لبنان.

لم يتأخر حزب الله في إبداء انزعاجه، وإن بطرق غير مباشرة. فالمعلومات المسرّبة من محيطه تشير إلى امتعاض واضح من شخصية كرم، ومن صلابته المهنية، وانتمائه إلى مدرسة دبلوماسية لا تنسجم مع مقاربة الحزب لملفَّي الحدود والسلاح، ولا سيما جنوب الليطاني. ويعزّز هذا الانزعاج ما جاء في خطاب كرم الأخير في تكريم حبيب صادق في الجامعة اليسوعية، حين قال: «الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل، ساعين إلى بعث ما عاشوه غلبة، سحابة سنوات قصيرة عجاف، وأدّى بهم وبالبلاد وأهلها إلى هذا الخراب العميم…».

والأهم أنّ الحزب جدّد رفضه المطلق لأي نقاش حول سلاحه ضمن «الميكانيزم»، معتبراً أنّ التوسعة المدنية للوفد محاولة لتوسيع دائرة البحث خارج الإطار «التقني» الذي يسعى إلى حصر النقاش ضمنه.

في المقابل، لم يُخفِ الجانب الإسرائيلي انزعاجه هو الآخر. فقد سارع بنيامين نتنياهو إلى وصف التعيين بأنّه «أساس لعلاقة وتعاون اقتصادي». وهنا يبرز السؤال: ما المعنى الحقيقي لإقحام البعد الاقتصادي في لحظة تفاوضية ذات طابع أمني بحت؟ وهل يشكّل هذا التركيز محاولة خبيثة لتشويش الإطار السياسي للتفاوض وتظهيره وكأنّه مدخل إلى مسار تطبيعي غير موجود؟

مصادر لبنانية رسمية أكّدت أنّ هذه التصريحات تأتي خارج سياق المفاوضات بالكامل، وأنّ المسار محصور حصراً بتثبيت وقف الأعمال العدائية وفق اتفاق الهدنة لعام 1949، من دون أي امتداد اقتصادي أو سياسي إضافي. كما أعربت هذه المصادر عن قلقٍ حقيقي من محاولات إسرائيل استغلال ملف حزب الله لإعادة فتح قضية ترسيم الحدود البحرية أو إيجاد ذرائع جديدة للانتقاص من حقوق لبنان.

وفيما كان الداخل اللبناني يحاول فهم خلفيات القرار، جاءت بغداد لتضيف طبقة جديدة من التعقيد الإقليمي. فقد أصدرت الحكومة العراقية قراراً رسمياً غير مسبوق بتصنيف حزب الله اللبناني وأنصار الله (الحوثيين) كـ«جهات إرهابية»، مع تجميد كامل أموالهم وأصولهم داخل العراق. وعلى الرغم من تراجع السلطات العراقية عن القرار لاحقاً، فإنّ وقعه السياسي كان مدوّياً، إذ كشف عمق الصراع الأميركي–الإيراني على الإمساك بالقرار العراقي، وأظهر أنّ البيئة التقليدية الحاضنة للمحور الإيراني لم تعد كما كانت.

وهكذا، تصبح الرسائل الصادرة من بغداد جزءاً من مشهد إقليمي يضغط على الحزب من الخارج كما من الداخل، ويُفسّر جانباً من حساسيته تجاه خطوة تعيين سيمون كرم في لحظة مفاوضات دولية دقيقة.

نحن أمام مشهد جديد بالكامل: خطوة لبنانية جريئة عبر تعيين كرم على رأس الوفد، يقابلها ضغط إسرائيلي متنامٍ يحاول خلط الاقتصاد بالأمن، في حين تسعى الرعاية الأميركية المباشرة إلى ضبط الإيقاع على الجبهة الجنوبية.

هذه العناصر تشير بوضوح إلى أنّ مرحلة إمساك إيران بأربع عواصم عربية بدأت تتراجع، وأنّ لبنان لم يعد ساحة معزولة، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكّلٍ أوسع في الإقليم، تتراجع فيها أدوار الميليشيات المسلحة وتتقدّم فيها الحاجة إلى دول مستقرة، مزدهرة، وبقرار سيادي مستقل.

إنها لحظة سياسية مفصلية، تحمل في طيّاتها ملامح شرق أوسط جديد، تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة بطريقة معاكسة للخمسين سنة الماضية…