وكأنهم أقرب إلى جنس الملائكة منهم إلى البشر، هؤلاء الذين يمتهنون الانقضاض على ما تقوم به الدولة من جهود لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وترتيب شؤون البلاد والعباد بالتي هي أحسن.
من جهة، ترتفع أصوات المعتبرين أن تطعيم لجنة "الميكانيزم" بمدني هو استسلام فاضح لإسرائيل وتخلٍ موصوف عن الأرض والعرض و"الشهداء"، مراهنين على نسبة الإجرام في دماء الصهاينة، الذين لا يحترمون أي اتفاق... وكأن في الأمر اكتشافًا خطيرًا.
من جهة ثانية، يقف فريق آخر على ضفة تفشيل الحكومة ورئيس الجمهورية لجهة بطء الإجراءات المتعلقة بالوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي للبنانيين كافة، متجاهلين أدوات التفشيل التي يستخدمونها لمنع قيامة المؤسسات وإحراز الإنجازات، كالتساؤل عن وضع الكهرباء والاتصالات وأموال المودعين والمصارف، رافضين تلمس الخطوات المتتالية لجهة قطع دابر الرشوة والسمسرة في عدد كبير من الإدارات مع تحويل معاملات المواطنين إلى البريد والحؤول دون تعطيل الفاسدين في هذه الإدارات لها، سواء في المالية أو النافعة أو العقارية أو وزارة العمل أو الخارجية، ناهيك عن الإنجازات في المطار والمرفأ والحدود وتفكيك شبكات مافيا المخدرات وإجراءات مصرف لبنان المتسمة بما أوصى به الإمام علي بقوله "واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".
فالمسألة بالنسبة إلى ملوك التنقير على ضفتي التجاذب تبقى "عنزة ولو طارت"، وكأن نجاح الدولة يكتب نهايتهم ويقضي على وجودهم القائم على التجييش المذهبي الذي لا ينتج إلا المزيد من الانعزال. لا هم لهم سوى البقاء في الحاضر المزري أو العودة إلى ماضيهم المزهر. وكأن كل الضغوط التي يتسبب بها العدو الإسرائيلي لا تكفي، لذا يجب مساعدته بما تيسّر من عدّة الشغل المحلية.
فمواصلة إسرائيل أعمالها العدائية ترافقت مع اتفاق وقف إطلاق النار في العام الماضي، ولا جديد فيه، قَبِله "حزب الله" وتعايش معه، حتى جاء انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام، ليطالبهما بما لم يكن يستطيع مواجهته، فقط ليبرر حالته الاعتراضية لقيام الدولة اللبنانية.
كما الضغط على الجيش اللبناني لمطالبته باستخدام القوة والعنف بمواجهة هذه الحالة، وتجاهل الحكمة والتروي التي يستخدمها، بتوجيهات أصحاب القرار السياسي للوصول إلى الهدف المرجو من دون نسف الاستقرار الهش القائم حاليًا.
أما عن استراتيجية "أوافق ثم أنقلب إذا مالت الريح"، فقد شرب لبنان كأسها المر سابقًا، وتحديدًا في ملابسات تطبيق القرار 1701، بعد عدوان تموز 2006، بعدما طالب به من انقلب عليه، مصادرًا السيادة والاستقرار وموغلًا في الفساد وصولًا إلى إفلاس البلد، وعزله عن محيطه العربي.
لذا، واضحة نيات ملوك التنقير، وسوف تتكثف جهودهم مع خطوة البدء بمرحلة جديدة من خلال المفاوضات المباشرة لمواجهة الخطر الإسرائيلي بالطرق الدبلوماسية، تمهيدًا لإزالته واسترجاع الأرض والعرض والكرامة بالفعل والعمل وليس عبر التجييش الذي يعمد إليه المزايدون وفق مصالحهم.