خلال السنة الماضية، أثبت "حزب الله" من خلال قياداته وتصريحاته المتكررة أنه يتخذ موقفًا سلبيًا ثابتًا تجاه أي خطوة تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتنظيم القرار الأمني في الجنوب. رفض "الحزب" تسليم السلاح واعتراضه المستمر على أي دور رقابي أو تفاوضي للدولة، بما في ذلك دور السفير سيمون كرم في لجنة الخماسية، يظهر أن "الحزب" لا يقبل بأي تقييد لقدراته العسكرية أو أي تنظيم للقرار الأمني يضع الدولة في موقع السلطة. أي مبادرة وطنية تُقوّي الدولة تُعتبر بالنسبة له تهديدًا لأجندته وقدرته على التحكم بالقرار في الجنوب.
سياسات "حزب الله" المستمرة تعكس ازدواجية القرار الأمني داخل لبنان، حيث تفرض أجندة موازية تعمل خارج الدولة وتحدّ من فعالية الجيش والمؤسسات الرسمية في إدارة الحدود. هذا الموقف السلبي يعطل أي مسار تفاوضي مع إسرائيل ويجعل أي تقدم دبلوماسي هشًا وغير مستدام، إذ يربط نتائج أي اتفاق بموازين القوة الحزبية وليس بمصلحة الدولة أو اللبنانيين، ما يحوّل أي خطوات إيجابية قامت بها الحكومة إلى رهينة للمصالح الحزبية.
كما يتضح أن "الحزب" يسعى لتوسيع نفوذه على القرار الأمني، من خلال منطق القوة الموازية الذي يعطل الدولة ويكرّس نفوذه العسكري والسياسي ويخلق فراغًا أمنيًا وسياسيًا قابلًا للاستغلال. رفض أي رقابة أو أي آلية لتعزيز سلطة الدولة، وعدم الاعتراف بأي اتفاق محتمل مع إسرائيل إلا وفق شروطه، يجعل أي تطور سياسي أو أمني في الجنوب رهين قدرته على التحكم ويعرقل جهود الدولة في استعادة سيادتها.
لبنان اليوم أمام اختبار مزدوج: استعادة الدولة زمام القرار الأمني وضمان أن أي اتفاق مستقبلي لا يخضع للأجندات الحزبية. الحل لا يكمن في التفاوض مع القوة الموازية أو قبول مناطق نفوذ خاصة، بل في ترسيخ القرار الوطني، تقوية الجيش اللبناني، ووضع حدود واضحة لا مساومة عليها. أي خطوة تقوي الدولة وتعزز سيادتها يجب أن تتقدم على أي حسابات حزبية، لأن استمرار سياسات "الحزب" السلبية يهدد التقدم الدبلوماسي ويعرض لبنان لخطر طويل الأمد على السيادة والأمن الداخلي.
مواقف "حزب الله" تثبت أن الأخير يرى نفسه فوق الدولة والقانون، وأن أي مشروع لإعادة الدولة إلى موقع القرار يتعرض لمعارضة مستمرة. المهمة الوطنية اليوم مزدوجة: مواجهة هذه المواقف بشكل حاسم وبناء آليات قوية لضمان حماية الحدود والسيادة الوطنية، والتأكيد على أن أي دور دولي أو تفاوضي يجب أن يكون داعمًا للقرار اللبناني لا بديلًا عنه. الدولة أولًا، القرار أولاً، والسيادة فوق كل اعتبار حزبي أو مصلحي.