مخطّطات تُحاك في المنفى الروسي لزعزعة حكم الشرع

5 دقائق للقراءة
يحاول حسن ومخلوف استعادة بعض نفوذهما في سوريا (رويترز)

تستعدّ سوريا لإحياء الذكرى الأولى لإسقاط الأسد الإثنين وتدشين حكم الرئيس أحمد الشرع، الذي تمكّن خلال عامه الأوّل من وقف السقوط الحرّ للبلاد عبر اجتثاث النفوذ الإيراني وتأمين شبكة دعم دولية متينة ومتنوعة وإطلاق قطار إعادة الإعمار، لكن يبدو أن بعض وجوه النظام البائِد يعيش حالة الإنكار عينها التي يعيشها ملالي طهران وميليشياتهم الإقليمية.

في هذا الإطار، كشف تحقيق لوكالة "رويترز" نُشر أمس أن رئيس المخابرات العسكرية في عهد الأسد كمال حسن وابن خال الأسد الملياردير رامي مخلوف، ينفقان ملايين الدولارات بهدف إشعال انتفاضتين ضدّ الشرع، بينما استسلم الأسد إلى حد كبير لفكرة العيش في المنفى في موسكو. ورغم أن ماهر الأسد، شقيق بشار، لم يتقبّل فكرة فقدان السلطة، إلّا أنه لم يوجّه حتى الآن أوامر بإعادة إحياء "الفرقة الرابعة".

وجدت "رويترز" أن حسن ومخلوف يحاولان تشكيل ميليشيات في الساحل السوري ولبنان تضمّ علويين، حيث يموّل الرجلان وفصائل أخرى تتنافس على النفوذ أكثر من 50 ألف مقاتل. ويسعى الرجلان إلى السيطرة على شبكة من 14 غرفة قيادة تحت الأرض شيّدت في الساحل قبيل سقوط الأسد، بالإضافة إلى مخابئ أسلحة. ويرسم حسن رؤى طموحة للطريقة التي سيحكم بها الساحل، في حين يصوّر مخلوف نفسه على أنه "المخلّص" الذي سيعود إلى السلطة بعد "المعركة الكبرى"، رابطًا الأحداث بنبوءات نهاية الزمان عند الشيعة. لكن فرص نجاح أي انتفاضة تبدو ضعيفة، فالرجلان على خلاف شديد، وتتضاءل آمالهما في كسب دعم روسيا، وكثير من العلويين لا يثقون بهما، وإدارة الشرع تعمل على إحباط خططهما.

أوضح التحقيق أن حسن ومخلوف يحاولان استغلال هواجس العلويين إثر المجازر الطائفية الانتقامية التي أدمت ساحلهم في آذار الماضي، بعدما نصبت وحدة علوية كمينًا لقوات دمشق في ريف اللاذقية. وكشفت "رويترز" أن العميد الذي قاد الكمين غادر إلى لبنان، مشيرة إلى أن التحرّك لم يبدأه أو يقوده حسن أو مخلوف، لكن الأحداث مثلت "نقطة تحوّل"، شرعا بعدها في تنظيم صفوفهما. وفيما انفجرت انتفاضة علوية سلمية الشهر الماضي للمطالبة بنظام فدرالي، لم يكن مخلوف أو حسن وراءها، بل رئيس "المجلس الديني الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر" الشيخ غزال غزال، المعارض لهما.

وأظهرت وثائق أن حسن يزعم بأنه يسيطر على 12 ألف مقاتل، بينما يقول مخلوف إنه يسيطر على 54 ألف مقاتل على الأقل. وبيّن التحقيق أن مخلوف يحوّل أموالًا عن طريق مديري أعمال يثق بهم في لبنان والإمارات وروسيا، إلى ضبّاط علويين لدفع الرواتب وشراء معدّات. وكشف التحقيق أن مخلوف أنفق ستة ملايين دولار على الأقل على الرواتب، وبيّنت مستندات أعدّها مساعدوه الماليون في لبنان، أن مجموعة من 5000 مقاتل تلقت 150 ألف دولار في آب. وصرّح مسؤول إماراتي بأن حكومته ملتزمة بمنع استخدام أراضيها في "كافة أشكال التدفقات المالية غير المشروعة".

توازيًا، أفاد أحد كبار المنسقين العسكريين التابعين لحسن، والذي يقيم حاليًا في لبنان، أن حسن أنفق 1.5 مليون دولار منذ آذار على 12 ألف مقاتل في سوريا ولبنان. وفي منتصف العام، أُعلن إنشاء منظمة خيرية تحمل اسم "منظمة إنماء سوريا الغربية"، وصفها ضباط مرتبطون بحسن ومدير لبناني في المنظمة بأنها غطاء إنساني لتغلغل نفوذ حسن بين العلويين، كما أرسل حسن 200 ألف دولار نقدًا إلى 80 ضابطًا في لبنان في آب.

وأظهر التحقيق كيفية هروب مخلوف وحسن من سوريا إثر سقوط الأسد وأين يقيمان حاليًا، حيث تبيّن أن مخلوف هرب إلى لبنان في سيارة إسعاف ليلة سقوط دمشق ويعيش حاليًا في طابق خاص في فندق "راديسون" الفاخر في موسكو تحت حراسة أمنية مشدّدة، في حين فرّ حسن مع سقوط جيش الأسد إلى سفارة عربية، ثمّ لجأ إلى السفارة الروسية، وانتقل في نهاية المطاف للإقامة في فيلا مكوّنة من ثلاثة طوابق في ضاحية في موسكو.

إلى ذلك، أفاد قائد كبير في "الفرقة الرابعة"، موجود في لبنان، بأن إمبراطورية ماهر الأسد المالية لا تزال تعمل إلى حدّ كبير باستثناء مبيعاته من مخدّر الكبتاغون، لافتًا إلى أنه في الوقت الذي يركّز فيه بشار على حياته الخاصة وأعماله، لا يزال ماهر يسعى خلف استعادة النفوذ في سوريا.

في السياق، كشف محافظ طرطوس أحمد الشامي أن دمشق تعلم الخطوط العريضة لمخطّطات مخلوف وحسن ومستعدّة للتصدّي لها، مؤكدًا وجود شبكة غرف القيادة أيضًا، لكنه أوضح أنها "ضعفت بشكل كبير". وأفاد بأنه خلال زيارة الشرع إلى روسيا، جرى النقاش مع القيادة الروسية حول مخلوف وحسن، كما جرى التواصل مع لبنان، مشيرًا إلى أن البلدين أبديا تجاوبًا لزيادة التنسيق ومنع أي نشاط لهذه الشخصيات داخل أراضيهما.

واستعانت دمشق للتصدّي لمخلوف وحسن بصديق طفولة الشرع، خالد الأحمد، الذي كان قائدًا لـ "قوات الدفاع الوطني"، أكبر ميليشيا متحالفة مع الأسد، قبل أن يغيّر ولاءه إثر انقلاب الأسد عليه. وتتمثل مهمّة الأحمد، المسؤول عن ملف العلويين في الحكومة، بإقناع أبناء طائفته بأن مستقبلهم مع سوريا الجديدة.

في الغضون، أفاد "المرصد السوري" بحرق مقامات دينية وتحطيم قبور من قبل قوات تابعة لدمشق في مناطق علوية قرب الحدود مع لبنان، كما كشف أن بعض المسيرات المؤيّدة لدمشق التي خرجت في مناطق عدة أمس، تخلّلتها هتافات طائفية. وذكر أن علويين في محافظات عدة، تعرّضوا لتهديدات مباشرة من قبل السلطات لإلزامهم بالخروج في مسيرات مؤيّدة لدمشق.