يشكّل كتاب "الدبلوماسية الاقتصادية في العالم" للسفير الدكتور وسام كلاكش، والصادر عن "دار سائر المشرق"، إسهامًا علميًا لافتًا في مقاربة التداخل المتسارع بين الاقتصاد والسياسة، في عالم بات الترابط أحد محرّكاته الأساسية. لا يكتفي المؤلّف برصد الظاهرة؛ فهو يدخل مباشرة إلى قلب الممارسة الدبلوماسية بمنظور مختلِف، مطلقًا مفهوم "دبلو اقتصادية - Diplonomy" كحقلٍ معرفيّ صاعد يمزج بين الأدوات الاقتصادية ومفاعيل التأثير الدبلوماسي. وفي ثنايا الكتاب، تبرز أفكار جريئة تتجاوز المألوف، تُظهر كيف يمكن للقرار الاقتصادي أن يتحوّل إلى قوّة تعيد رسم موازين العلاقات الدوليّة، وتفتح الطريق أمام أساليب أكثر تطوّرًا لصناعة النفوذ. تنشر "نداء الوطن" فصلًا من هذا الإصدار بعنوان: "جدليّة السياسة والاقتصاد".
إذا أردنا التوسّع في الحديث عن وجود علاقة جدلية بين عاملَي السياسة والاقتصاد في العمل الدبلوماسي، لوجدنا أنّ الدبلوماسية تتطلّب، لكي يتمّ تفعيل آليّات عملها وتطويرها، اتخاذ قراراتٍ على مستوى السُّلطة السياسية العُليا، وهذا ما يجعل العديد من الدول العربية، خاصّةً إذا كان لرؤساء السلطة التنفيذية فيها صلاحيات دستورية واسعة، تركّز على توافر الإرادة اللازمة للقيادة السياسية بتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، وذلك من خلال العمل على إرساء توجيهٍ عامّ للدولة، يُعمل بموجبه على تقديم التسهيلات كافة لدخول رؤوس الأموال الأجنبية والإسراع في معاملات منح إقاماتٍ، ورخصٍ لمشاريع المستثمرين في البلد المعني.
وتجسيدًا لتلك الحلقة المترابطة التي تستهل بالإرادة السياسية، مرورًا بالقرارات والإجراءات القانونية والإدارية التي تُتخذ في هذا الصدد من قبل الإدارات، وصولًا إلى تدفق الاستثمار إلى البلد المعني أو حتى زيادة الصادرات إلى الخارج، فإن تلك الحلقة قد تعبّر عن إرادةٍ سياسيةٍ لدى القادة، لتنعكس نتائجها في ما بعد على مسار النشاط الدبلوماسي، بما يُفضي لاحقًا إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي. وتُمثل مصر كدولةٍ نموذجًا واعدًا لتكامُل الإرادة السياسيّة ومتطلّبات الاقتصاد المحلّي، بما يُؤدّي إلى تقوية أدوات الدبلوماسية الاقتصادية وتحقيق نتائج إيجابية على أرض الواقع: فها هو المستشار الاقتصادي في سفارة فرنسا في القاهرة فيليب غارسيا يُوضح بأن الإرادة السياسية للقيادة المصرية قد عُمل على التعبير عنها بتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية التي جرت ترجمتها بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر مبادراتٍ قامت بطرحها خمسة مصارف مصرية لدى شركات خاصّة غير معروفة ولكنها قادرة على النفاذ بصادراتها إلى الأسواق الأوروبية، في ما يُطلق عليه "أبطال القطاع الخاصّ المجهولون" (Hidden champions privés).
ودخلت السفارة الفرنسية على خطّ الاتصال مع تلك المصارف من أجل البحث عن شركاتٍ مصرية متوسّطة الحجم يُمكنها تعزيز صادراتها إلى الخارج أو زيادة استثماراتها في أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، وبعد العثور عليها يُمكن للمصارف المصرية المعنية، على غرار التجربة الفرنسية، أن تُؤمّن لتلك الشركات التدريب والتمويل اللازمَين من أجل توسعة أنشطتها، وهذا من شأنه أن يُفيد الاقتصاد المصري في نواحٍ شتى. وبالإضافة إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر يمنحها مميّزاتٍ تفاضلية بما يجعلها أرضًا جاذبةً للاستثمارات الأجنبية، يبدو، جليًا، أن الإرادة السياسية للقيادة المصرية بتوفير الشروط اللازمة لاستقطاب المستثمرين تُمثل عنصرًا محوريًا يعمل على بلوغ الدبلوماسية الاقتصادية مراحل متقدّمة من الإنتاجية وتحقيق مكاسب ماديّةٍ ومُراكمة خبرات معرفية وتكنولوجيةٍ متطوّرة. وفي إطارٍ مُتصلٍ بثنائية السياسة والاقتصاد التي تعمل بمقتضاها آلة الدبلوماسية، نودُّ التطرّق إلى مسألة إنشاء تكتلات تبدو، للوهلة الأولى، أنها ذات طبيعة اقتصادية بحتة، لكن التمعّن في آليّات عملها وفي النوايا التي تقف من وراء قيامها، يُصرِّح لنا بأنها تكتلات ذات مقاصد سياسية بَيّنة. ومن الشواهد التاريخية، التي تدلُّ على صحّة هذا التحليل، يُمكن أن نتطرّق إلى ظروف وأهداف إقامة "الجماعة الأوروبية للفحم والحديد" (ECSC)، إذ إن وزير خارجية فرنسا آنذاك روبير شومان قدَّم، في 9 أيّار من العام 1950، ما عُرِفَ بـ "خطّة شومان (THE SCHUMAN PLAN) الرامية إلى تأسيس "الجماعة الأوروبية للفحم والحديد"، وهذه المنظمة يُنظر إليها على أنها بمثابة سوق مشتركة لجمع وتقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء فيها (فرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية) حول مسائل متعلّقة بالفحم والحديد، غير أن الهدف الأساسي من هذا الإنشاء كان سياسيًا يتعلّق بالإعلان صراحةً بأن "الحرب بين فرنسا وألمانيا (رغم العداوة بينهما نتيجة حربَين طاحنتَين خاضتهما في أقلّ من 30 عامًا) لم تعد فقط غير مطروحة، بل إنها غدت عمليًا، بعد تأسيس الـ "ECSC"، مستحيلةً.
بهذا، تظهر لنا الدبلوماسية أنها، بالشكل، اقتصادية، غير أن مضمونها الفعلي، والنوايا التي تقف وراء إطلاقها، سياسيّ بامتياز. ومن جهةٍ أخرى، فإن توثيق الروابط الاقتصادية بين الدول ستكون له تداعيات على الميادين الأخرى، مع العلم أن البداية لتوطيد العلاقات تتطلّب، في كثير من الأحيان، التركيز على الشأن الاقتصادي، لما لذلك من نتائج ملموسة على الواقع المُعاش، فيشعر بأثرها المواطن العادي، إلى أيّ طبقة ينتمي، في كلا البلدَين كما إن ذلك من شأنه أن يساعد على تغيير المزاج العام (إذا ما كان سلبيًا)، فتغدو القيادات والرأي العامّ أكثر قبولًا للقيام بخطواتٍ لبناء الثقة على الصعيد السياسي. لذلك، من الأيسر أن تكون نقطة الانطلاق من الشؤون الاقتصادية، ليُصار بعدها إلى محاولة قطف النتائج على الصعيد السياسي فتبدو لنا تلك السيرورة (البداية بالاقتصاد والنهاية بالسياسة) أكثر انسجامًا مع واقعنا الدولي المعاصر الذي يُفيد بأن المصالح التجارية والمالية تأتي في المقدّمة، لتقوم بدورها في التأثير إيجابًا على المصالح الأخرى السياسية والعسكرية والثقافية. ويُمكن تشبيه هذا الواقع بصورة العربة والحصان، إذ إن الأخير إذا ما وضع قبل الأولى فستبقى العربة في مكانها، ولن تتمكّن من السَّير قدمًا إلى الأمام.
إنّ الحقيقة الساطعة اليوم في سماء النظام العالمي الراهن تتجه إلى تأكيد واقع أن الاقتصاد بات يجرّ السياسة إلى ميدانه. ولعلَّ أكثر مَن هو قادرٌ على الإقرار بوجود هذا الواقع، هم أولئك المشتغلون بالعمل الدبلوماسي، وعلى تماسّ مُباشر بأحواله وشجونه وقد عبّر عن هذا التوجّه وزير الخارجية العراقية السابق عدنان الباجه جي الذي رأى أن علاقات بلاده مع العالم يجب أن تحكمها المصالح المشتركة، التي هي اليوم مصالح اقتصادية في الدرجة الأولى. وبما أن العراق من الأقطار الرئيسية المُنتجِة والمصدِّرة للنفط ومشتقاته، فمن الطبيعي أن يكون معنيًا بحماية أسواقه وإقامة علاقات صداقة مع الدول المستوردة للنفط، كالصين والهند واليابان والاتحاد الأوروبي. إن التعاون الاقتصادي الوثيق غالبًا ما تنشأ عنه نتائج سياسية مهمّة، وذات نفعٍ متبادلٍ للأطراف المعنية. كما يُمكن للعامل في الحقل الدبلوماسي، أن يرصد عن كثبٍ صحّة الافتراض القائل إنه، ولو بدرجات متفاوتة، في كلّ عمل اقتصاديّ شيءٌ من السياسة، وفي كلّ شأنٍ سياسيّ يوجد شيء من الاقتصاد. بناءً على ما تمَّ عرضه آنفًا، نخلُص إلى القول إن ثمَّة مسارَين تتحرّك بموجبهما آليّات الدبلوماسية الاقتصادية:
- الأوّل: ينطلق من إرادة القيادة السياسية، ليعمل لاحقًا على ترجمتها إلى توجيهات وقرارات تنفيذية تكون بمثابة عوامل مسهّلة على الأرض لتشغيل محرّكات الدبلوماسية الاقتصادية.
- الثاني: يعتمد على المناخ الحالي للنظام الدولي، الذي يُوفر فرصًا لإعلاء شأن المسائل الاقتصادية في توطيد التعاون بين الدول، فينعكس ذلك التعاون على إمكانية توثيق العلاقات السياسية في ما بينها.
وختامًا، نعتبر أن الدبلوماسية الاقتصادية تُمثل إحدى أهمّ ركائز النهوض بالنسبة إلى الدول الصغيرة والمتوسّطة (في مساحتها وعدد سكانها)، وهذا ما ينقلنا إلى تأييد الطرح القائل إنه في ما يتعلّق بـ "دبلوماسيّة السياسة"، ففي الغالب أن الدول الكبيرة تبقى هي الأقدر على الإبحار العميق في مياه تلك الدبلوماسية التي لم تعد تُصنع من قبل الدول الصغيرة والمتوسّطة، كونها تحتاج لجهودٍ وموارد مالية وبشرية ضخمة؛ وما على الأخيرة سوى أن تتجه أكثر نحو "دبلوماسية الاقتصاد" المليئة بالطاقات والفرص الواعدة.
وعلى هذا الأساس ثمَّة فرضيّتان يعرض لهما الكتاب:
الأولى: أن المكوّن السياسي له الغلبة على الاقتصادي في الدبلوماسية الاقتصادية. وهذه الفرضيّة قد تنطبق على ممارسة الدبلوماسية الاقتصادية أثناء الحرب الباردة.
الثانية: أن الدبلوماسية الاقتصادية هي خلاصة تفاعل عناصر سياسية واقتصادية وفقًا لمقادير ونِسب متغيّرة. وهذه الفرضية قد تنطبق على آليّات ممارسة الدبلوماسية الاقتصادية، خلال الحقبة الزمنية الممتدّة منذ العام 1991 حتى يومنا هذا.
إنّ الدمج البارز بين الأدوات الاقتصادية والأهداف السياسية والدبلوماسية قد يقودنا إلى الحديث عن ظهور معالم علم جديد اسمه "دبلو اقتصادية" (Diplonomy)، وهذا العِلم الجديد يشكّل مادّة حيَوية تهدف دراستنا إلى التركيز عليها من مختلف جوانبها.

