منذ اللّحظة الأولى لوصولنا إلى مطار جدّة، بدا وكأن فريق عمل "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" يعرف تمامًا كيف يجعل الضيوف يشعرون بأنهم بين أهلهم. وجوهٌ مُبتسمة، ودفءٌ يسبق الكلمات ومرافقةٌ لطيفة تُسهِّل كلّ خطوة. لم يكن الترحيب مجرَّد إجراءٍ رسميّ، بل إحساس حقيقيّ بالاهتمام والاحترام. وخلال وجودنا في المهرجان، تواصل الشعور نفسه: فريقٌ حاضرٌ دائمًا، يُقدّم المساعدة بابتسامة صادقة، ويجعل التجربة أكثر سلاسةً وجمالًا، تاركًا في النفس أثرًا لا يُنسى!
يُمثل "مهرجان البحر الأحمر السّينمائي الدّولي" فضاءً سينمائيًا تتلاقى فيه الأصوات الجديدة مع التجارب المُخضرمة، وتتجاور فيه الحكايات المحليّة مع القضايا الكونيّة. الدّورة الخامسة قدّمت مجموعة من الأفلام التي تتعامل مع التاريخ الرّاهن، السّياسة، السّرد الذاتي والذاكرة، كلٌّ بطريقته الخاصّة. من بين هذه التجارب، برزت خمسة أفلام روائيّة من خلال مُشاهداتنا العديدة حتى اليوم: "The Secret Agent"، و "Palestine 36"، و ،"Sirât"، و "If I Had Legs, I’d Kick You"، و "The Wizard of the Kremlin". أفلام تتباين في لغتها البصريّة، لكنها تتقاطع في رغبتها في قراءة العالم من خلال ضوء السّينما.
سينما تبحث عمَّن اختفوا
يعود المُخرج والكاتب البرازيلي الفذ Kleber Mendonça Filho في فيلم "The Secret Agent" ليُقدِّم عملًا يُعيد قراءة سنوات الديكتاتوريّة العسكريّة في البرازيل من زاوية حميمة وشخصيّة، بعيدًا من الصّيغ المباشرة للأفلام السياسيّة. يختار المُخرج تتبُّع رحلة مارسيلو، الأستاذ الجامعي الهارب من ماضيه، ليُحوّل قصّته إلى مرآة للقلق الجماعي ولأثر القمع على الذاكرة الفرديّة. يعتمد مندونسا فيلهو أسلوبه البصريّ المُعتاد، عبر مساحات مغلقة، وأصوات متداخلة، وتكوينات تُشعر المُشاهد بأن المدينة نفسها تُراقب أبطالها. هذا الإحساس بالمراقبة ليس مجرَّد خلفيّة تاريخيّة، بل هو عنصر دراميّ يتيح للفيلم الغوص في توتر الإنسان المُحاصر بين ما يريد نسيانه وما يُطارده.
الأداء الهادئ للممثل المبدع Wagner Moura منح الشخصيّة ثِقلها العاطفي وأسهَمَ في جعلها رمزًا لصمت ضحايا القمع. وقد نال عن هذا الدّور "جائزة أفضل ممثل" في "مهرجان كان السّينمائي الدّولي" الأخير، وهو أوّل ممثل برازيلي يفوز بهذه الجائزة. كما حصل على جائزة "Golden Eye Award" من "مهرجان زيورخ" تقديرًا لأداءٍ استثنائي، مسجِّلًا إنجازًا تاريخيًا بوصفه أوّل ممثل من أميركا الجنوبيّة يتلقى هذه الجائزة. في دوره، لا يُجسّد مورا مناضلًا بالمعنى الكلاسيكي، بل فردًا عاديًّا يُحاول النجاة، بينما ينهار عالمه بصمت. هنا تكمن قوّة الفيلم، في كشفه كيف يصنع الخوف أشكالًا جديدة من الصّمت والاختفاء.
ورغم إيقاعه المُتأمّل، ينجح الفيلم في بناء طبقاتٍ سرديّة تجعل التجربة أكثر من حكاية هروب. إنها محاولة لاستعادة الذاكرة من تحت الرّكام، وتذكير بأن الماضي السّياسي لا يختفي بمجرَّد رحيل أصحابه، بل يبقى حاضرًا في تفاصيل الحياة اليوميّة.
مُخرجة تتحدّى التاريخ
بالانتقال إلى فيلم "Palestine 36"، يُعدّ هذا العمل إنجازًا دراميًا ينبض بالذاكرة الجماعيّة والمأساة الفلسطينيّة، إذ تعيد المُخرجة الفلسطينيّة آن ماري جاسر رسم مشهد "الثورة العربيّة" عام 1936 ضد الانتداب البريطاني وما تلاها من عُنف واستيطان. الفيلم لا يكتفي بسرد وقائع التاريخ، بل ينحت ملامح إنسانيّة دقيقة لشخصيّات طالها التغيير. شخصيّات مثل الشاب يوسف الذي يبحث عن هويّة بين قريته ومدينة القدس، إلى نساء ورجال يعيشون خوف التبدّل والاغتراب.
بصريًّا، يلمع الفيلم بمزيج من لقطات تصوير مُعاصرة وأرشيف مُلوّن، ما يُعطي العمل طابعًا وثائقيًّا، لنشعُر وكأن الزمن ذاته يعود ليَشهد. أما من ناحية الأداء، فيتألّق طاقم المُمثلين من هيام عبّاس، وصالح بكري، وياسمين المصري، وكريم داود عنايا، الذين يمنحون الشخصيّات عمقًا إنسانيًّا بين التشتُت، والخوف، والأمل، والقرار العسير.
وقد سمعنا بعد المُشاهدة، من بعض النقاد الأجانب، انتقادًا لتصوير الشخصيّات الاستعماريّة مع بعض المبالغة، لكن من الصّعب إنكار أن "Palestine 36" ينجح في مهمَّته الأساسيّة باستعادة تاريخ مُحوَّر، ويمنح صوته لأولئك الذين كُتمت أصواتهم. فيه دعوة للذاكرة، للتأمُّل، ومُطالبة مُغايرة للاعتراف.
تجربة سينمائيّة حادّة
في فيلم "Sirât"، أوَّل ما يخطف الأنفاس هو طريقة تصويره، إذ إن الصّورة "الحُبَيبيّة" التي يُعطيها استخدام تقنيّة 16مم تمنح الصّحراء عمقًا ملموسًا. حيث تتعدّى الرّمال المشهد الطّبيعي المحيط، لتصبح كائنًا حيًّا وقوّة طبيعيّة تلتهم الخُطى وتصقل النفوس. أما في الصّوت، فالإيقاع والتصميم الصّوتي والموسيقى التي وضعها الفرنسي Kangding Ray، تُشكّل الوجه الآخر للفيلم. دقات إلكترونيّة تتحوّل إلى نبضات تخنق النفَس وتمنح الفيلم هالة من الرّهبة والجاذبيّة المُريبة، كما تُشرِك المُشاهد جديًّا في تلك الرّحلة النفسيّة والجسديّة.
تدور القصّة حول بحثٍ مأسوي عن ابنةٍ مفقودة، سُرعان ما يتحوّل إلى تأمُّلٍ وجوديّ في صحراء شاسعة لا تُلام في قسوتها. وفي ذلك، ما يُحققه المُخرج الفرنسي Oliver Laxe، هو نوع من السّينما الحادَّة، سينما تختبر حدود الممثل والمُشاهد، لتضع الإنسان في مواجهة الطّبيعة، وفي مواجهة الضجيج والفراغ، ورُبّما في مواجهة نفسه!
يعيد الفيلم صياغة مفهوم النضال الحياتيّ، فبينما نظن أن ما نبحث عنه هو ابنة مفقودة، يتبدّى أن الأمر ليس إلّا ذريعة لسؤالٍ أكبر عن الفقدان، عن الخسارة، وعن البحث عن معنى في عالم هش. لكن من جهةٍ أخرى، الفراغ العاطفي الذي يختفي خلف التجريب البصري والصوتي، يترك المُشاهد تحت وطأة إحساسٍ غامض: هل هذا فيلم عن حزنٍ حقيقي؟ أم تجربة سينمائية طقسيّة ترقص على حافة تعريض جمهورها لصدمات؟
الضعف الإنساني بلا تزيين
في فيلم "If I Had Legs, I’d Kick You"، تقدّم المُخرجة Mary Bronstein عملًا سينمائيًا ينتمي إلى تيّار السّينما المُستقلّة الأميركيّة التي تُركّز على هشاشة العلاقات الإنسانيّة وتفاصيل الحياة اليوميّة المتوترة. تدور أحداث الفيلم حول شخصيّة ليندا التي تواجه صراعات داخليّة وعلاقات متوترة مع من حولها، في إطار تعاملها مع مرض ابنتها الغامض وزوجها الغائب وعدائيّتها المُتزايدة تجاه مُعالجها النفسي.
ما يُميّز هذا الفيلم ليس الحدث بحدّ ذاته، بل الطريقة التي تُبنى بها المسافة بين الشخصيّات، وكيف تُستثمر هذه المسافة لتوليد توتر داخلي يُرافق المُتفرّج حتى النهاية. تستخدم برونستين أسلوبًا بصريًا واقعيًا إلى حدّ التقشف. كاميرا قريبة من الممثلين، إضاءة طبيعيّة، ومساحات خانقة تُعبّر عن ضيق الشخصيّات بعالمها وبأنفسها. هذا الاقتصاد البصري يعكس رؤية المُخرجة لسينما لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تسعى إلى الالتقاط الدّقيق للحالة الشعوريّة.
الشخصيّات تتحرّك بارتباك، وتتكلّم بارتجال يكاد يبدو غير مكتوب، ما يمنح الفيلم صفة الحقيقة الخام. على مستوى البناء الدّرامي، يعتمد الفيلم على تقديم شريحة صغيرة من الزمن، لكنها مُحمّلة بصراعات عميقة، خصوصًا في ما يتعلّق بالاعتماد العاطفي، والبحث عن تقدير الذات، والعجز عن التعبير المُباشر.
العنوان نفسه يحمل مفارقة ساخرة، إذ إن في فعل الرّكل هنا، رمزًا للرّغبة في الخلاص أو في الاحتجاج، لكنه يأتي من شخصيّة تشعر بأنها بلا أدوات فعليّة للتغيير. ويستحق الأداء اللّافت للمُمثلة الأستراليّة Rose Byrne بدور ليندا الثناء بشكلٍ خاص. فبراعتها في تجسيد الغضب، السّخرية والانكسار النفسي للشخصيّة، تمنح الفيلم نبضه الإنساني الحقيقي. لا عجب أن يُثار الحديث عن إمكانيّة ترشحها لـ "الأوسكار"، بل وحتى الفوز، إذ يُقدّم هذا الأداء نموذجًا فريدًا لقُدرة الممثل في حمل العمل السّينمائي على كتفَيه.
التلاعب السّياسي بالواقع
عندما يُقدّم الكاتب والمُخرج الفرنسي المُخضرم Olivier Assayas فيلمه الدّرامي السّياسي "The Wizard of the Kremlin"، لا يكون الأمر مجرّد تمرير لقصّةٍ تاريخيّةٍ أو نقد سياسي مباشر، بل تجربة تأمّلية في طبيعة السّلطة وكيفية تشكّلها. ليس عبر العنف المباشر بالضرورة، بل عبر الإعلام، الخطاب، الدّراما، والمُناورات الذكيّة.
على هذا الأساس، ينقل الفيلم عبر شخصيّة مستشار خياليّ يُدعى Vadim Baranov (يؤديه ببراعة Paul Dano)، طريقة تصميم صورة سياسيّة قبل أن تكون قيادة فعليّة، ويُقدّم ساحةً لاستخراج سحر الكرملين في القوّة المُختبئة وراء الدّعايات، التلاعب بالوعي، وغسل التاريخ.
أمّا أداء النجم Jude Law شخصيّة الرئيس الرّوسي Vladimir Putin، فيستحق الإشادة. لا يُقلّد بصوت قريب من بوتين، بل يختار الصّمت المهيب والبرودة المُشكّكة، ما يجعل شخصيّة بوتين في الفيلم ليس زعيمًا دراميًا، بل تهديدًا خامدًا، وظلًّا ثقيلًا فوق الأحداث. ينجح الفيلم في أن يعكس درجة من الجرأة حول التفكير في الشرائح الخفيّة للسّلطة، بعيدًا من المجد أو البطولات التقليديّة!
في الختام، يحدونا الأمل أن تحظى مُعظم هذه الأعمال بفرصة العرض في الصّالات السينمائيّة اللبنانيّة والعالميّة، بدلًا من أن تبتلعها المنصّات الرقميّة، كما ابتلعت "Netflix" أو ما زالت تحاول جاهدةً ابتلاع ستوديوات ضخمة مثل "Warner Bros". فالسّينما، بروعَتها وجماليّاتها الخاصّة، تحتاج إلى المساحات الحيّة لتتنفس وتسمح للجمهور بأن يعيش التجربة كما خُلقت أصلًا، بعيدًا من الشاشة الصّغيرة والمنصّة المُغلقة التي تُحاصر المُشاهد بخوارزميّاتها.