مع تباشير فجر الأحد 8 كانون الأول 2024، راحت دمشق تصدح بتعابير عفوية فرحًا بالتحرّر من ربقة ديكتاتورية "البعث"، لعلّ أكثرها رمزية ومسًّا بشغاف القلب زغاريد النسوة التي انطلقت على وقع صوت الشيخ الهادر من مئذنة أحد الجوامع "زغردن يا أمهات الشهداء... سقط الطاغية بشار الأسد"، لما تختزنه من ثكل وجراح عميقة تجثم على الصدور، وتجعل السوريين "يعيشون الموت مع كلّ زفرة نفس ولا يموتون"، على حدّ تعبير فريد المذهان المعروف بـ "قيصر"، في بلاد وصفها الشاعر شوقي البغدادي بـ "جمهورية الخوف".
في تلك اللحظات، كان التاريخ ينفض عنه غبارًا سميكًا، ويقبض على القلم ليدوّن أيامًا مشهودة انقلب فيها السحر على الساحر. لطالما برع نظام الأسدين في صناعة الإرهاب وتنميته لتقديمه قربانًا على مذبح صفقاته مع الغرب، مع إعادة صياغته وتشكيله كلّما دخل في محنة، بما يضمن استدامة ذاك "الأبد" الملتصق باسم حافظ الأسد وصورته الطوطمية.
تلك الأسطورة التي عاشت أربعة عقود ونصفًا، خرج من مصنعها أبو محمد الجولاني وجملة من الجهاديين المرسلين إلى العراق للمشاغبة على أميركا وإرهاقها. عاد إلى سوريا، وأسّس "جبهة النصرة" لتكون قطعة من "بازل" الجماعات الجهادية المؤسّسة لإطالة شرعية نظام بشار الأسد. نقطة التحوّل تمثلت بخلع رداء "الأممية" الجهادية، وإعادة تعريف مشروعه لإنتاج مزيج تكنو - إسلامي وطني مرن، ليكون أوّل تيار جهاديّ في التاريخ المعاصر يعترف بجغرافيا الكيان الوطني كإطار ناظم لنشاطه لا يحيد عنه.
مذ ذاك بدأت حكاية أخرى، قليلها عرفناه، وكثيرها غاب عنا بحكم الجغرافيا المحاصرة، والبعيدة من التأثير في القرار. وانطلقت سلسلة من التجارب والاختبار لصدقية هذا التحوّل من قبل الفاعلين الخارجيين. عَرف أحمد الشرع كيف يقدّم نفسه كمخاطب مقبول عبر قنوات خلفية عمِل على تطويرها وتوطيدها بصبر تقتضيه عوالم السياسة، وتنبذه فوضى عوالم الجهاد وجمودها الفكري. ما رأيناه في أيام كان ثمرة تسع سنوات من الجهد والعمل السياسي المتراكم، وتحيّن الفرصة للنفاذ من خرم إبرة المعادلات نحو الشام لإسقاط نظام كان يتهاوى بصمت ويجف عرقه.
لم يكن 8 كانون الأول عملية تسلّم وتسليم برعاية دولية كما تروّج الآلة الإعلامية الممانعة لتخفيف وقع الهزيمة، بل تحريرًا من نظام ديكتاتوري عفِن، وخلع رداء التنميط الذي حشرت فيه سوريا لدرجة مسح ما قبل "البعث"، وإعادتها إلى سوريتها، بعدما اكتشف العالم على إيقاع التحرير تاريخًا مدفونًا بإحكام. تكفي المقارنة بين الفيديو الرسمي الذي جرى ترويجه عام 2018 لتلميع صورة بشار الأسد، وبين التسريبات لتسجيلات كواليس متمّمة له، عرضتها قناة "العربية" من محفوظات ظنت لونا الشبل أنها ضمانة لحياتها، لتبيان مدى ازدراء الأسد للسوريين ولكلّ شيء، بما في ذلك جيشه وطائفته وعائلته، ومدى كينونته صنمًا محاطًا بهالة أسطورية من القداسة المزيّفة.
كذلك الحال، فإن المقارنات التي تسقطها تلك الآلة الإعلامية على النظام الجديد، والتشبيه الدائم بـ "الإخوان المسلمين" غير دقيقة. خلال سنة، استطاع الشرع تنفيذ انقلاب مذهل أين منه حكم "الإخوان" في مصر أو حتى ذاك التشاركي في تونس، حيث صاغ نهجًا دبلوماسيًا شجاعًا كسر حواجز معقدة، ونقل بلاده من دائرة الإقصاء إلى مركز الاهتمام، وبرع في تقديم صورة براغماتية طيبة لحكم إسلامي يريد التصالح مع محيطه والعالم، وتشكيل جسر للتيارات الإسلامية نحو الحداثة بإطار مفاهيميّ سياسيّ وطنيّ يقدّم العقل على البندقية، وتفاهمات الطاولة على الميدان، بما يمهّد لطي صفحة إرث 11 أيلول 2001 وهوية الإرهاب العالمي المقترن بالسنة.
وهنا بالضبط يكمن معنى "الفتح"، بجعل دولة تصدّر الإرهاب والكبتاغون كأدوات جيوسياسية تصير موئلًا لاحتضان شراكة جدية بين السعودية وتركيا وقطر والإمارات والاتحاد الأوروبي وأميركا لصناعة استقرار مستدام، والعمل على تصديره إلى الجوار المضطرب منذ عقود، من دون إغفال أهمية الانفتاح على روسيا والصين.
دولة تصنف مارقة تصبح شريكًا موثوقًا لأميركا في مكافحة إرهاب جماعات الملالي، كما أشار البيان الصادر عن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، للإشادة بجهود السلطات السورية في مكافحة سلاسل تهريب السلاح لـ "حزب اللّه"، والذي يختزن حمولة مكثفة عشية الذكرى السنوية الأولى لتطهير دمشق من رجس الأسد، ولا سيّما إشارته إلى أن "مفتاح العلاقات الناجحة في الشرق الأوسط هو قبول المنطقة وقادتها ودولها كما هي والعمل معًا". وهذه إشارة لا بدّ من التمعّن بها مليًا.
كان 7 أكتوبر طوفانًا بحق، أزال الأقنعة التي كان يتدثر بها الملالي وأذرعهم الطويلة لخلق دعاية عالمية مزيّفة بأنه النظام الإسلامي الوحيد الذي يتمتع بالمرونة، والقادر على استقطاب القوى الثورية واليسارية والعلمانية وتدجينها، ولعب السياسة وفق القواعد السارية دوليًا وإقليميًا، مع السعي إلى تعديلها بما يناسب مصالحه بلا كوارث، فظهر عقب "الطوفان" متكلّسًا وعاجزًا عن استيعاب المتغيّرات والتكيف مع نتائجها.
وإذا كان 8 كانون الأول يومًا مشهودًا، فإن وقائع وتطوّرات الأحداث خلال سنة تثبت أنه فتح عصرًا جديدًا على مستوى المنطقة كان مجرّد التفكير به ضربًا من الخيال والجنون. من فتوحاته منح لبنان مسحة أمل للتحرّر من لعنة الجغرافيا وإرث الدويلات، والعودة أخيرًا إلى الدولة.