لو أن الأسد يسقط مرّة أخرى، فمرّة واحدة لا تكفي والاحتفال بالذكرى السنوية لا يفي بالغرض، لا يعيد إلينا الزهوة ذاتها. إنها لحظة تاريخية يتمنّى المرء أن يعيشها مراتٍ ومرات لعلّ الجرح يرتوي أو يهدأ الغضب القديم، قدم ذاك النظام.
فمنذ سنة فقط، أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 20 مقبرة جماعية تم اكتشافها منذ سقوط نظام بشار الأسد، تضم رفات 1661 ضحية، بينهم أطفال ونساء، تم العثور عليها في مناطق متفرقة من سوريا، بينها دير الزور، ريف دمشق، حماة، حمص، ودرعا. وتنوعت المقابر بين رفات معتقلين تمت تصفيتهم بدم بارد وضحايا لعمليات حرق وتصفية جماعية.
آلاف المعتقلين من سوريين ولبنانيين وجنسيات أخرى لم يوجد لهم أثر حتى الآن، لا يعرف ذووهم إذا كانو ماتوا تحت التعذيب أو ما زالوا في مكان ما من سراديب الأسد السريّة تحت الأرض أو فوقها، وإن كانت التقارير الرسمية تؤكد اكتشاف جميع السجون. لكن حجم المأساة يجعل الشكّ طبيعياً وعادياً... ماذا لو كان هناك المزيد من الزنازين، المزيد من المقابر الجماعية؟
سقط الأسد، إنه خبر يمكن أن نكرره في أي لحظة من أوقاتنا العصيبة، فنشعر ببعض التعزية. مثلاً إذا تشاجرتَ مع مديرك، تذكّر أن الأسد قد سقط بالفعل وستشعر بحال أفضل. إذا خانك أصدقاؤك، لا تتردّد، الحلّ بسيط، تذكر أنه سقط وها هو هارب في روسيا، وستبدو لك الخيانة مجرّد خطأ وستدرك أن جميع الحقيرين سيسقطون كالأسد، فالحياة عادلة في بعض الأحيان. وإذا أفسد أحدهم قهوتك الصباحية أو دهس سائق هرّتك، أو إذا لم تحصل على وجبة جيدة، أو نفدت أموالك، لا بأس، تذكّر أنّ الأسد الذي حكم سوريا ولبنان سقط إلى غير رجعة في لحظة مجيدة من هذا الزمن النزق، فالأزمان النزقة تستطيع أن تحمل بعض الأخبار الجيّدة.
حين سقط الأسد، قالت لي صديقة: "لا يمكن أن تكون الحياة حلوة هلقد". أتذكّر جملتها كلما ضاقت بي الأيام، فمهما كنا بؤساء، إلا أننا شهدنا سقوط نظام مجرم ومعه محور الممانعة مجتمعًا بكل غيّه وغطرسته ونرجسيته، وهذا وسام لجيلنا، بعد كل المآسي التي عاشها.
بعد سنة على سقوط الأسد الذي أسعد الشعوب التي قتلها وأعاد للأرواح التي أحرقها بعضًا من حقها، هناك من ما زال يشكّ بكل ما نشر، هناك من يعتبر مآسي المعتقلين مجرد "مبالغة" درامية، مستندًا إلى حجّة أن "كل البلدان فيها سجون" وأن "الفيديوات مفبركة"... بعد سنة من هروب الأسد وانتهاء سورياه، لتبدأ سوريا جديدة، هناك من يعتبر مظلومًا. لذلك ربما من المهم التذكير بمن هو الأسد الذي نحتفل بسقوطه كل يوم، لا كل سنة. وفق الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، تم تسجيل مقتل ما لا يقل عن 202 ألف مدني على يد قوات نظام بشار الأسد، بينهم نساء وأطفال، 96,321 حالة اختفاء قسري على يد قوات نظام بشار الأسد، بينهم نساء وأطفال. إضافة إلى وفاة ما لا يقل عن 15,102 شخص تحت التعذيب على يد قوات نظام بشار الأسد، بينهم 190 طفلاً و95 سيدة.
ومنذ تموز/ يوليو 2012، ألقى طيران نظام بشار الأسد ما لا يقل عن 81,916 برميلاً متفجرًا. تسببت بمقتل الآلاف، وتم توثيق 217 هجومًا كيميائيًا نفذه نظام بشار الأسد، إضافة إلى 252 هجومًا بذخائر عنقودية منذ أول استخدام لها في تموز/يوليو 2012، ما أدى إلى مقتل 835 شخصًا. وسُجّل ما لا يقل عن 51 هجومًا بأسلحة حارقة استهدفت مناطق مدنيَّة منذ آذار/ مارس 2011.
أدت الانتهاكات الواسعة إلى نزوح نحو 6.8 مليون سوري داخليًا، وتشريد قرابة 7 ملايين لاجئ، بحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. ولم تقتصر انتهاكات نظام الأسد وحلفائه على القصف والتدمير وتشريد السكان، بل امتدت إلى سنّ قوانين تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان، بهدف السيطرة على ممتلكات المشردين واللاجئين. إنه النظام الذي قاتل من أجله "حزب الله" ودافع عنه على حسابنا وعلى دمنا!
إنه بشار الأسد المخلوع، صاحب مركز التعذيب الذي كان في قريتي البقاعية شرق لبنان، هناك كان يتم الإمساك بالشبان بأمر من النظام الأمني أيام والده، وهناك كانت دواليب التعذيب، والجلد والصراخ... هناك كانت مدرسة استولى النظام الأسدي على أجزاء كبيرة منها، وحوّلها إلى مركز تعذيب، لكنّ هذا النظام سقط وبقيت المدرسة!