الدكتور سايد حرقص

شراء الوقت في انتظار المجهول

3 دقائق للقراءة

بالرغم من أنّ اختيار السفير السابق سيمون كرم لتمثيل لبنان في «الميكانيزم» شكّل صدمة إيجابية لصورة الدولة في لبنان، إلّا أنّ الخطوة لا يمكنها أن تُحدث تغييراً جذرياً في قواعد اللعبة.

في الواقع، شكّلت هذه الخطوة محاولة جديدة من العهد لشراء الوقت وتقديم صورة عن «قدرة الدولة على التنظيم»، فيما الأزمة أعمق بكثير. فجوهر المشكلة يبقى كما هو منذ ثلاثة عقود: قرار الحرب والسلم بيد مَن؟

بعد زيارة وزير الخارجية المصري الذي نقل أجواء غير مطمئنة عن جبهة الجنوب، وزيارة قداسة البابا الذي دعا للسلام، أراد الرئيس جوزيف عون بهذا التعيين إرسال رسالة تهدئة للمجتمع الدولي، والإيحاء بأنّ بيروت ما تزال قادرة على الالتزام والتفاوض. لكنّ المشكلة الأساسية أنّ المندوب، مهما كان كفوءاً، سيبقى يتحرك ضمن هامش محدود، لأنّ الدولة نفسها تتحرك في حقل ألغام أوجده وضع غير سليم، وفي ظلّ رهبة سلاح لا يخضع لسلطتها ويهدد حاملوه في كل مناسبة بالحرب الأهلية وتدمير ما تبقّى من وطن.

وللتذكير، ليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها لبنان إلى «آلية» لضبط الحدود أو تهدئة المواجهات. ففي 1996 وُلد تفاهم نيسان بعد «عناقيد الغضب»، وأُنشئت لجنة مراقبة دولية. وفي 2006 صدر القرار 1701 الذي نشر الجيش واليونيفيل جنوب الليطاني، ووُعد اللبنانيون بأنّ الدولة استعادت زمام القرار.لكن ماذا كانت النتيجة في التجربتين؟ في 1996 اعترف التفاهم عملياً بأنّ دور الدولة يقتصر على ضبط الإيقاع، لا اتخاذ القرار. وفي 2006 بقي القرار 1701 نظرياً، لأنّ الحزب احتفظ بسلاحه، وتجاوزت قدراته كل ما نصّت عليه ترتيبات الجنوب.

اليوم، ومع «المكانيزم» الجديد، تعود الصورة نفسها: آلية تقنية تعمل فوق واقع سياسي وأمني غير محسوم. تماماً كما في 1996 و2006، تحاول الدولة إدارة الأزمة دون أن تتجرأ على الاقتراب من أصلها، خوفاً على السلم الأهلي ووحدة المؤسسات. والدرس التاريخي واضح: لا آلية تنجح طالما أنّ قرار السلم والحرب خارج مؤسسات الدولة.

مشكلة لبنان ليست في التعيينات والأشخاص، بل في عدم امتلاك الدولة للقرار السيادي. وفي هذا المجال قال الإمام عليّ بن أبي طالب في خطبته الواردة في نهج البلاغة: «وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ».

اختيار سيمون كرم قد يخلق جواً من الهدوء التكتيكي ويخفّض منسوب التوتر السياسي الذي حذّر منه وزير الخارجية المصري، لكنه لا يمسّ جوهر الأزمة: الدولة اللبنانية لا تستطيع تنفيذ أي التزام دولي أو اتفاق حدودي بشكل فعلي. فكيف يمكن لـ«الميكانيزم» أن يضبط الجبهة الجنوبية، بينما من يقرّر تشغيل الجبهة أو إطفاءها ليس الحكومة اللبنانية، بل حزب الله؟

من هنا، يصبح الحديث عن تعيينات أو تعاونات أو آليات جديدة مجرّد خطوات تجميلية لشراء الوقت فوق أزمة بنيوية عميقة ومتجذّرة. فالاقتصاد لن ينهض طالما أنّ احتمالات الحرب مرتفعة وتخضع لمصالح إقليمية خارج سلطة الدولة. والاستثمار لا يأتي إلى بلد قد يُغلَق خلال ساعات بقرار لا يمرّ في مجلس الوزراء أو قيادة الجيش. كل ما يجري اليوم هو محاولة لتأجيل الانفجار، لا منعه.

قد يكون العهد كسب بعض الوقت باختيار سيمون كرم، لكنّه لم يقترب من الحل. فالآليات السابقة، سواء في 1996 أو 2006، أثبتت أنّ التهدئة ممكنة، لكن الحلول الجدية مستحيلة ما لم تُعالَج العقدة الأساسية: مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة في قرار الحرب والسلم. ومن دون ذلك، ستبقى كل التعيينات «شكلية»، وكل الآليات «مؤقتة»، وكل الحلول «وهمية».