ايلي الياس

"القوات اللبنانية" … انتصار الوعي السياسي المسيحي من جبل لبنان إلى معركة الدولة

3 دقائق للقراءة

من يستعِدْ مسار الوعي السياسي المسيحي منذ منتصف القرن الثامن عشر، يفهم سريعًا أن "القوات اللبنانية" ليست حزبًا ظهر في لحظة حرب، ولا قوّة وُلدت عند انهيار الدولة فقط، بل تجسيدًا عمليًا لوجدان سياسي طويل لجماعة تاريخيّة بدأ قبل قيام لبنان الكبير بقرون، وتبلور تدريجيًا حتى صار مشروع دولة ثمّ صار قوّة دفاع، ثمّ عاد اليوم ليكون مشروعًا سياسيًا مكتملًا نحو المستقبل.

هذا الوعي لم يتشكّل فجأة. وُلد من تجربة جبل لبنان التاريخية: شعور جماعيّ بالحرية، بالتميّز الثقافي والسياسي، وبأن الجماعة قادرة على حكم نفسها، وأن الحفاظ على الكيان هو شرط للحفاظ على التنوّع والكرامة. ومن هذا الوعي خرجت المتصرّفية، وخرجت معها اللبنات الأولى للبنان الكيان. ولذلك، عندما أُعلن لبنان الكبير عام 1920، كان ذلك تتويجًا لمسار وعي لا صناعة جغرافيا.

لكن الوعي السياسي، حين لا تحميه الدولة، يصبح مضطرًا إلى حماية نفسه. ومع انهيار الدولة المركزية في 1975، وجد المسيحيون أنفسهم أمام تهديد وجوديّ مباشر: سلاح منفلت، مشروع لتغيير هوية لبنان، وغِياب كامل للدولة. هنا تحوّل الوعي السياسي الذي أسّس لبنان الكبير إلى وعي قتاليّ اضطراريّ. لم يكن السلاح خيارًا أيديولوجيًا، بل ردًّا طبيعيًا لجماعة ترى كيانها يُنتزع منها بالقوّة.

في تلك اللحظة التاريخية، وُلدت "القوات اللبنانية" كتعبير مسلّح عن مشروع سياسيّ قائم أصلًا: الدفاع عن فكرة لبنان، لا الدفاع عن منطقة. حماية الكيان، لا حماية الطائفة. وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يمنع اختزال التجربة في حرب لُقبت بأهلية: إن "القوات" ليست نتيجة الحرب، بل نتيجة سقوط الدولة وما تلاه من واجب الدفاع عن الوجود.

ثمّ جاءت السنوات القاسية: محاولات الإلغاء، الاعتقال، الملاحقات، تفكيك المؤسّسات، اجتثاث الدور السياسي، ومحاولة ضرب الوجدان الذي حملته الجماعة منذ قرون. لكن ما سقط هو الأنظمة التي حاولت القمع، لا الوعي الذي حاربته. فالفكرة بقيت: فكرة الكيان، السيادة، الدولة، دور لبنان، حدوده، ورسالته. بقيت لأنها ليست شعارًا حزبيًا، بل وعيًا سياسيًّا جماعيًّا عميقًا ومتجذرًا.

وحين اندحر الاحتلال عام 2005، استعاد هذا الوعي عافيته الكاملة وعاد إلى الساحة السياسية لا كحركة نجت من الاعتقال، بل كحركة تؤكّد أن المسار التاريخي مستمرّ. السلاح انتهى دوره طوعًا. لكن المشروع الذي حمل السلاح يومًا لا يزال قائمًا: مشروع الدولة، لا مشروع الصراع. مشروع لبنان كما أُريد له أن يكون، لا كما يحاول البعض إعادة صياغته.

اليوم، "القوات اللبنانية" ليست مجرّد حزب في معادلة سياسية مضطربة. هي تجسيد استمراريّ لذاك الوعي التاريخي الذي أسّس لبنان، وحمله في لحظات الخطر، ورفض أن يُلغى أو يُكسر. لذلك، حين تتحدث "القوات" عن مستقبل لبنان، فهي لا تستعيد الماضي، بل تستعيد منطق التاريخ نفسه: إن من أسّس الكيان قادر على إعادة إنتاج المشروع، مهما تغيّرت الظروف.

هذا الوعي الذي بدأ بفكرة، وحمل السلاح دفاعًا عنها، ما زال اليوم يحمل مشروع الدولة. ليس لأنه متصلّب، بل لأنه المسار الوحيد الذي أثبت عبر الزمن أنه لا ينكسر. والانتصار الذي أعلنته "القوات" في مؤتمرها السنوي الأوّل ليس انتصارًا انتخابيًا أو سلطويًا، بل انتصار مسار طويل من الوعي لجماعة قاومت الإلغاء... وصمدت... وتستمرّ.