دخل لبنان وإسرائيل في جولة جديدة من المفاوضات المباشرة، في توقيت يُفترض نظرياً أنه يشير إلى إمكانية التهدئة، لكنه عملياً يتزامن مع استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، بل وتصاعدها. فالتوتر بين الجانبين بلغ مستوى غير مسبوق منذ حرب 2024، ما يجعل هذه المفاوضات تجري تحت النار، لا في أجواء سياسية طبيعية توحي بإمكانية الوصول إلى حلول حقيقية.
في المشهد الإعلامي اللبناني، سُوِّق لهذه المباحثات على أنها تطور إيجابي قد يفتح الباب أمام خفض التصعيد. غير أن صورة مختلفة تماماً تظهر في كواليس القرار. فبحسب مصادر دبلوماسية لبنانية، لم تُفتح هذه القناة نتيجة تبدل في الموقف الإسرائيلي أو استعداد فعلي للتسوية، بل جاءت نتيجة ضغط أميركي مباشر على الحكومة اللبنانية. هذا الضغط ترافق مع وعود بأن إسرائيل، في أي ضربة مقبلة، ستتجنب استهداف مواقع وبنى حكومية رسمية.
هذه الوعود بحد ذاتها تكشف طبيعة المسار القائم. فهي لا تؤسس لوقف نار، ولا تضع إطاراً سياسياً واضحاً، بل تعيد فقط رسم قواعد الاستهداف. أي أن الحرب تبقى قائمة، لكن مع محاولة ضبطها سياسياً، فيما يُطلب من لبنان التفاوض مقابل حماية شكلية لمؤسسات الدولة، لا أكثر.
العنوان الأساسي لهذه الاجتماعات، وفق المصادر نفسها، ليس الأمن ولا مستقبل الحدود الجنوبية، بل ملف الغاز. فملف الموارد الغازية في جنوب لبنان و وصلها عن طريق اسرائيل بمصر عاد إلى الواجهة كمدخل أساسي لإعادة تنظيم العلاقة غير المعلنة بين الطرفين. الولايات المتحدة تتعامل مع هذا الملف كرافعة اقتصادية – سياسية تضغط من خلالها على بيروت، فيما ترى إسرائيل فيه فرصة لفرض وقائع جديدة، مستفيدة من الأزمة الاقتصادية اللبنانية ومن هشاشة الموقف الرسمي.
وفي هذا الإطار، برز عنصر إضافي هو إعادة تشكيل فريق لبناني خاص للتفاوض، تدفع واشنطن باتجاهه، ويُنظر إليه على أنه فريق أقرب إلى الرؤية الأميركية في إدارة هذا الملف. هذا الفريق لا يعكس بالضرورة إجماعاً وطنياً، بل يشكل أداة تفاوض مرنة، قادرة على تمرير تفاهمات تقنية واقتصادية، تُقدَّم لاحقاً كإنجازات مرحلية.
بحسب المعطيات، فإن السبب الجوهري وراء تشكيل هذا الفريق يتجاوز ملف الغاز الآني، ويتصل بمحاولة دفع لبنان تدريجياً نحو اتفاق يشبه اتفاق 17 أيار، لكن بصيغة جديدة. ليس اتفاقاً سياسياً مباشراً أو معلناً، بل سلسلة ترتيبات وتفاهمات متراكمة، تبدأ بالغاز ولا تنتهي عنده، وتؤسس فعلياً لمسار تطبيع مقنّع تحت عنوان الاستقرار ومنع الحرب.
الرسالة الأميركية في هذا السياق تبدو واضحة: إما السير في هذا المسار، وإما إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للاستنزاف. فلا وقف شامل للنار مطروح، ولا التزام إسرائيلي واضح بحدود أو قرارات دولية، بل إدارة للصراع بما يمنع انفجاره الكبير ويُبقيه في مستوى قابل للضبط.
إسرائيل، من جهتها، تدخل هذه المفاوضات من موقع قوة. فهي تفاوض وتواصل الضرب، وتستخدم التفوق العسكري كأداة ضغط. في المقابل، يفاوض لبنان وهو غارق في أزمته الاقتصادية والسياسية، ومن دون استراتيجية تفاوضية موحدة، ما يحول هذه المباحثات من فرصة محتملة إلى عبء إضافي.
خلاصة المشهد أن ما يجري بين بيروت وتل أبيب لا يمكن وصفه بمسار حل، بل بإدارة أزمة طويلة الأمد. مسار تُفرض فيه الشروط تحت النار، ويُستخدم فيه ملف الغاز كمدخل لإعادة رسم العلاقات، فيما يبقى لبنان أمام خيارين قاسيين: القبول بتفاهمات مفروضة، أو الاستمرار في دوامة الضغط والحرب المفتوحة.