الدكتور سايد حرقص

متى يدرك اللبنانيون أن لا أحد يهتم لمصالحهم؟

4 دقائق للقراءة

في بلدٍ اعتاد العيش على وهم “الحمايات الخارجية”، ما زال قسم كبير من اللبنانيين يتصرّفون كأنّ مصائرهم تُرسم في عواصم العالم، وكأنّ قوة ما في الخارج تحسب لهم حسابًا. غير أنّ الحقيقة المُرّة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها هي أنّ أحدًا لا يهتم بمصالح الشعب اللبناني، وأنّ كل طرف خارجي ينظر إلى لبنان من زاوية مصالحه البحتة… لا أكثر ولا أقل.

جمهور “حزب الله” مقتنع بأنّ إيران تقف إلى جانبه بدافع عقائدي أو عاطفي أو من باب النصرة. لكن التجربة الممتدة منذ أربعة عقود تقول شيئًا مختلفًا تمامًا:

إيران تتعامل مع الحزب كاستثمار استراتيجي، كورقة نفوذ تُستخدم عند الحاجة، وتُساوِم عليها عندما تتطلّب مصالحها الكبرى ذلك.

لبنان بالنسبة إلى طهران ليس وطنًا يجب إنقاذه ولا شعبًا يجب دعمه، بل منصّة عسكرية وسياسية تُستثمر لتعزيز موقعها الإقليمي في مواجهة واشنطن وتل أبيب والرياض. ومثل أي استثمار، عندما يتراجع مردوده أو ترتفع كلفته، يصبح قابلًا للمساومة أو للتخلّي عنه. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الكثير من التصريحات الإيرانية الأخيرة التي تتأرجح بين قول مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي إنّ "سلاح حزب الله أكثر ضرورة للبنان من الخبز والماء"، وبين قول المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنّ "مسألة سلاح المقاومة شأنٌ لبناني يقرّره اللبنانيون أنفسهم".

وفي الضفّة المقابلة، يظنّ بعض اللبنانيين أنّ واشنطن “ترعى لبنان” أو تعمل لحماية مؤسساته. لكنّ الولايات المتحدة، كأيّ قوّة عظمى، لا تتحرّك بالعاطفة. أولويتها اليوم ليست الاقتصاد اللبناني، ولا الإصلاح، ولا السيادة، بل تدمير “طريق المخدرات” الممتدّ من الهرمل والقصير، مرورًا بشبكات التهريب في أميركا اللاتينية من فنزويلا إلى كولومبيا، وصولًا إلى السوق الأميركية، الأكبر استهلاكًا في العالم. إنّ اهتمام واشنطن بضرب هذه الشبكات مرتبطٌ مباشرةً بأمن وسلامة مجتمعها الداخلي، لا بالحرص على لبنان.

وما الضغوط التي تُمارَس اليوم على رئيس الجمهورية وقائد الجيش تحت عنوان “حصر السلاح” إلّا رأسَ جبل الجليد في مسار ضبط هذا الطريق. وهذا ما يفسّر كيف اضطُرّ الحزب إلى التضحية بنوح زعيتر وأبو سِلّة وغيرهما من كبار تجّار المخدّرات لشراء الوقت والحفاظ على سلاحه؛ فبات بقاء هذا السلاح مرهونًا بقدرته على تقديم “ضحايا” للولايات المتحدة من ملوك تجارة المخدّرات، وأصبح الضغط على السلطة اللبنانية يهدف في الظاهر إلى حصر سلاح حزب الله، لكنّه في الباطن يستهدف القضاء على تجّار وشبكات المخدّرات.

أما اعتقاد بعض المحلّلين الصحافيين والسياسيين بأن إسرائيل مستعجلة في عملية نزع سلاح “حزب الله” إلى درجة استخدام القوة المفرطة على لبنان، فهو قراءة سطحية للمشهد. فعليًا، نتنياهو يخشى القضاء الإسرائيلي أكثر ممّا يخشى حزب الله وصواريخه، وهذا ما يجعل إسرائيل ليست في عجلة من أمرها. فبعد جولات متتالية من التصعيد، نجحت الآلة العسكرية الاسرائيلية في ضرب قدرات الحزب الصاروخية والقتالية والبُنى التحتية، ودفعته إلى موقع دفاعي ضعيف يكثر فيه الكلام ويقلّ فيه الفعل. الحزب اليوم، بالنسبة إلى إسرائيل، نمرٌ بلا مخالب ولا أسنان. ولذلك، قد يكون إبقاؤه محاصرًا وضعيفًا أكثر فائدة لها من الدخول في مغامرة عسكرية كبرى لانتزاع سلاحه بالكامل.

المعادلة واضحة وبسيطة: إيران تستثمر.

أميركا تحمي نفسها.إسرائيل تدير أمنها.

أما لبنان… فلا أحد يضعه على لائحة أولوياته.

المشكلة ليست في الآخرين، بل في اللبنانيين الذين ما زالوا ينتظرون “المنقذ الخارجي” بدل مواجهة الحقيقة: لا خلاص للبنان إلا بقرار لبناني يقطع التبعية ويُطلق مسارًا جديدًا لإعادة بناء الدولة وتحريرها من سلاح الخارج ونفوذه، حتى لا يتحوّل التحرير من مُحتلٍّ قديم إلى بداية احتلالٍ من مُحتلٍّ جديد..

قد تكون هذه الحقيقة قاسية، لكنها بداية الوعي. فمنذ 1958 والمجموعات اللبنانية تستغل تغيّر موازين القوى في الشرق لتصفية حساباتها الداخلية والحصول على مكاسب عابرة. وهذه الدوامة تتكرر في كل محطة، لتجرّ على اللبنانيين مزيدًا من التخلف والانهيار والموت.

متى سيقتنع الجميع بأن لا أحد سيهتم بلبنان إذا لم يهتم اللبنانيون بأنفسهم؟

ومتى يسقط من الوعي اللبناني وهم “الرعاة الخارجيين”، ليصبح ممكنًا بناء دولة حقيقية… لا ساحة مفتوحة ولا ورقة تفاوض في يد الآخرين؟