العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

الفدرالية: ضرورة تاريخية لإخراج لبنان من الحفرة

8 دقائق للقراءة

بعد أن عرضنا في المقال السابق كيف أضعفت المركزية الدولة اللبنانية عبر عقود طويلة، ننتقل اليوم إلى الخيار الذي يمكنه وقف الانهيار وإعادة بناء الدولة: الفدرالية الاتحادية. غير أن أي نقاش للحل يمرّ أولًا بتبديد الهواجس المحيطة بالمفهوم، وخصوصًا في بلد متعدّد مثل لبنان.

وعلى مقياس من صفر إلى عشرة، حيث يمثل الصفر الحفرة التي يسقط فيها مجتمعٌ منهار ونظامٌ فاشل، وتمثل العشرة المدينة الفاضلة على قمّة التل، تستطيع الفدرالية أن ترفع مجتمعًا مركّبًا كلبنان إلى مستوى ستة أو سبعة أو حتى ثمانية، بحسب النموذج المعتمد وطريقة تطبيقه. فليس في العالم نظام كامل أو صيغة سياسية خالية من العيوب؛ غير أن ما يجمع عليه اللبنانيون هو أننا اليوم نقبع في مستوى الصفر، إن لم نكن في ما دون الصفر، بفعل استمرارنا في الحفر في الأزمة نفسها. ولذلك، ليست الفدرالية حلًا سحريًا، لكنها الإطار القادر على انتشال مجتمع متعدد الطوائف من القاع إلى مستوى مقبول من الاستقرار والإدارة الرشيدة.

تنبع قوة الفدرالية من قدرتها على تقديم ما عجزت عنه الدولة المركزية في مجتمع معقد: عدالة أكبر في إدارة المكوّنات، ومحاسبة فعلية على المستوى المحلي، وشفافية متقدمة، وتوزيع متوازن للسلطة يمنع الاحتكار وهيمنة الفئة الأقوى. وهي، بخلاف المركزية التي أنتجت طبقة سياسية متجذرة تستفيد من الفوضى، تمنح المواطنين قدرة مباشرة على مراقبة إداراتهم المحلية ومحاسبتها، ما يحدّ من الفساد ويعزز الثقة. صحيح أن هذا الانتقال يحتاج إلى وقت، لكن لبنان بلد صغير؛ وحين تتوافر رؤية واضحة ومشروع يخدم جميع مكوّنات الوطن، يمكن للبنانيين في الداخل والخارج تسريع عجلة التغيير. حينها يصبح الأثر ملموسًا وسريعًا، يولّد الثقة، ويعيد الأمل، ويثبت أن الانتقال من الصفر إلى السبعة ليس حلمًا، بل مسارًا واقعيًا قابلًا للتحقق.

الفدرالية ليست تقسيمًا

من الضروري الإشارة إلى أن الفدرالية الاتحادية لا تعني تقسيم الدولة أو إنشاء كانتونات طائفية مستقلة. على العكس، فهي تقوم على دولة واحدة بمؤسسات مركزية واضحة، مع ولايات أو مناطق تتمتع بصلاحيات محلية تُمكّنها من إدارة شؤونها ضمن إطار وطني موحّد. فالقرارات السيادية الكبرى تبقى بيد الدولة الاتحادية، فيما تُمنح المناطق صلاحيات لإدارة خدماتها ومؤسساتها وحماية خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، بما يعزز الفعالية والشفافية والمساءلة.

وإذا كان النظام المركزي قد كرّس هيمنة الطائفة الأقوى تباعًا - من المارونية السياسية إلى السنية السياسية ثم إلى الشيعية السياسية - فإن النظام الاتحادي يعيد هندسة العلاقة بين المكوّنات بحيث تُدار شؤون كل منطقة وفق حاجاتها لا وفق موازين القوى في المركز عبر إخضاع الجميع لقرارات مركزية لا تراعي الخصوصيات.

الأمن والحوكمة: نموذج تكاملية

يتيح النموذج الفدرالي اعتماد بنية أمنية مزدوجة تجمع بين دور الجيش الاتحادي من جهة، ودور الحرس الوطني المحلي من جهة أخرى، بما يضمن فعالية أكبر في حماية المواطنين وتثبيت الأمن. وبهذا ينتهي نموذج الدولة العاجزة عن ضبط الميليشيات أو حماية الوطن وحدوده، كما تُقطع الطريق على احتكار القوة من أي طرف سياسي أو طائفي.

إلى ذلك، تُفعّل الفدرالية آليات الرقابة والتوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على المستويين الاتحادي والمحلي، ما يمنع الاستبداد ويضبط الفساد، ويُعيد بناء مؤسسات تعمل وفق القانون - لا وفق المحاصصة أو النفوذ - ويؤمّن إطارًا مرنًا وفعّالًا لحماية الحقوق وتعزيز العدالة.

سيادة القانون في نظام متعدّد المستويات

من أبرز أسباب نجاح الأنظمة الفدرالية الحديثة قدرتها على ترسيخ سيادة القانون من خلال توزيع مدروس للسلطات. فوجود مؤسسات تشريعية وقضائية محلية، تعمل بالتوازي مع السلطات الاتحادية، يعزز الرقابة المتبادلة، ويخلق منظومة متماسكة تمنع أي جهة من احتكار القوة أو تطويع القانون لمصلحتها. ويصبح المواطن قادرًا على رفع الظلم أو الاعتراض عبر قنوات فعّالة قريبة منه، لا عبر متاهات المركزية المتحكمة بها القوى النافذة. وقد أثبتت تجارب سويسرا وكندا وألمانيا أن هذا النموذج يحدّ من الاستبداد والزبائنية لأنه يجعل القانون جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، ويمنع تسييسه أو تطويعه، بحيث يملك المواطن قنوات محمية وفعّالة للاعتراض والمحاسبة، بعيدًا من سطوة السلطة المركزية أو تحالفات الطبقة الحاكمة.

الإدارة المالية والمساءلة والفعالية

يسمح النظام الفدرالي للولايات بتحصيل الضرائب المتعلقة بالخدمات المحلية واستخدامها في مشاريع تتناسب مع أولويات السكان. وفي الوقت نفسه، يساهم الجميع في تمويل المؤسسات الاتحادية والخدمات الوطنية المشتركة. هذا التوازن يعزز الكفاءة الاقتصادية ويقوّي المحاسبة، إذ يعرف المواطنون ممثليهم مباشرة، ويستطيعون مساءلتهم دون الحاجة إلى المرور بطبقات متشابكة من البيروقراطية المركزية.

الديمقراطية المحلية: إزالة الحواجز بين المواطن والمسؤول

أحد أهم مكاسب الفدرالية أنها تعيد الديمقراطية والتمثيل الشعبي إلى مستواهما الطبيعي: مستوى البلدية والولاية. عندما يصبح ممثل المواطن قريبًا منه جغرافيًا واجتماعيًا، تتحوّل السياسة من نظريات إلى ممارسة يومية. يعرف المواطن ممثله، يراقبه، ويحاسبه. وهكذا يصبح الفساد أصعب، ويصبح الأداء العام أكثر مهنية، لأن المسؤول - والمنتخب - لا يستطيع الاختباء خلف الدولة المركزية أو شبكة السياسيين.

القوانين الانتخابية بين التلاعب والشفافية

الأنظمة المركزية تميل إلى إنتاج قوانين انتخابية ملتوية تُفصّل على قياس القوى النافذة، فتحافظ على هيمنة المنظومة وتمنع التجديد السياسي عبر تقسيم الدوائر، والتحكّم بالمقاعد، ووضع عوائق أمام المرشّحين الجدد - مماثل لقانوننا اليوم - لدخول مجلس النواب عبر الانتخابات. وهكذا تتحوّل الانتخابات إلى عملية شكلية تعيد إنتاج الطبقة نفسها.

أمّا في النظام الفدرالي، فيتراجع تأثير هذا التلاعب بدرجة كبيرة، لأن الانتخابات تُجرى على مستوى محلي صغير يصعب التحكم به. المواطن يعرف المرشح، يعيش معه، ويراقب أداءه. حجم الدوائر الصغيرة يمنع هندسة النتائج مسبقًا ويردّ السلطة إلى أصحابها: الناس، ويجعل النتيجة أقرب إلى إرادة الناخبين الحقيقيّين.

استعادة الثقة في دولة متعدّدة الطوائف

في الدول المتعددة الطوائف، تؤدي المركزية عادةً إلى انعدام الثقة بين المواطنين والسلطة، وبين الجماعات نفسها، لأن الإدارة المركزية تفرض على الجميع نموذجًا واحدًا رغم اختلافاتهم. فعندما تُفرض إدارة واحدة على مجتمعات متمايزة، يتحول التنافس إلى صراع وجودي، وتتآكل الثقة بمؤسسات الدولة، وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المركزية حوّلت الدولة إلى أداة بيد القوى المهيمنة بدل أن تكون مرجعًا محايدًا.

أمّا الفدرالية، فهي تعيد لكل منطقة القدرة على تنظيم شؤونها، من دون المساس بوحدة الدولة، ما يعيد الثقة إلى المواطنين ويُعيد الشرعية إلى المؤسسات.


باختصار، تُمثل الفدرالية إطارًا فعّالًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس عادلة ومرنة. فهي تضمن حماية التعددية من خلال تنظيمها دستوريًا، كما تمنع الهيمنة الطائفية عبر توزيع الصلاحيات بشكل متوازن. كما تُعزز الفدرالية مكافحة الفساد وتفعيل آليات المحاسبة المباشرة. إلى جانب ذلك، تُتيح بناء مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية محلية تتفاعل مع واقع كل منطقة وتستجيب لاحتياجاتها. وفي المجال الأمني، تعزز الفدرالية الأمن الوطني، بما يوفر حماية شاملة للدولة والمواطنين، ويؤسّس لشراكة وطنية متينة.

مع ذلك، لا يجب تصور الفدرالية على أنها نظام مثالي وخالٍ من العيوب؛ فهي تحتاج إلى إدارة حذرة وعناية فائقة لتطبيقها بشكل فعّال. نحن ندرك هذه الحقيقة، وسنتناول في مقالنا القادم الرؤية التي نعتقد أنها الأنسب لنظام اتحادي فدرالي في لبنان، مع التأكيد أن ما سنقدّمه ليس أمرًا نهائيًا أو ثابتًا. نحن منفتحون ومرنون لتعديل هذه الرؤية بما يتوافق مع النقاشات والمقترحات البناءة.

القضية الجوهرية تكمن في الحاجة إلى نقاش صريح وشفاف، يبدأ داخل كل مجتمع على حدة، ثم يمتد ليجمع المكوّنات الأربعة الرئيسية، على أساس عقد اجتماعي جديد يؤكد الرغبة الحقيقية في التعايش المشترك. ومن خلال هذا الحوار، يمكننا أن نتوصّل معًا إلى النظام السياسي الذي يستثمر هذا العقد الاجتماعي ويحوّله إلى واقع عملي يحمي الوحدة والاستقرار.

نحن نعتقد أن الفدرالية تمثل الإطار الأنسب لتحقيق هذا الهدف، لكننا نرحّب بأي رؤية أفضل. من يرى أن لديه تصورًا أرقى أو أكثر ملاءمة للبنان، فليتقدّم للنقاش، لأن الهدف النهائي هو بناء نظام سياسي فعّال ومستدام يحمي حقوق الجميع ويضمن مشاركة عادلة لكل المكوّنات.


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ