الدكتور سايد حرقص

لبنان بعد الطائف… دولة الكارتلات لا دولة المؤسسات

3 دقائق للقراءة

بمعايير مايكل جونستون في كتابه "متلازمات الفساد" (Syndromes of Corruption)، لا يحتاج النظام السياسي اللبناني، الذي تشكّل بعد الحرب تحت الوصاية السورية وبتواطؤ محلي ودولي، إلى جهد كبير كي يصنَّف ضمن نموذج "الكارتلات النخبوية". ففي لبنان، لا تُدار الدولة بوصفها مؤسسات دستورية تخضع للمساءلة، بل كمنظومة محاصصة تتشارك فيها القوى الطائفية والحزبية مفاصل الحكم كما لو كانت شركات خاصة تتبادل الحصص والغنائم. هنا لا يعمل الفساد من وراء الستار؛ بل هو منظَّم بعناية، مُنسَّق بين الشركاء، ومقسّم وفق موازين القوى التي تحدّد من يُضعِف القضاء، ومن يحجز الإدارة، ومن يسيطر على المال العام. وقد تطورت مع الوقت منظومة كارتيلات الفساد من لاعب خارج النظام القانوني الى جزء لا يتجز من القانون اللبناني . هذا التطور جعل لبنان البلد الاول والوحيد في العالم حيث الفساد والهدر والسرقات مقوننة.

وتُظهر تجربة ما بعد الطائف أن الدولة ليست ضعيفة، كما يُشاع دائمًا، بل مُضعَّفة عمدًا. فإضعاف الدولة لم يكن عارضًا بنيويًا، بل سياسة واعية اعتمدتها الكارتلات لتأمين بيئة رخوة تتيح لها التمدّد بلا رقيب. فالقضاء جرى تكبيله، والتفتيش المركزي عُطّل، والإدارة العامة فُككت كي تبقى خطوط النفوذ واضحة، والموازنات اعدت بشكل عشوائي والمحاسبة المالية تحوّلت إلى لعبة أرقام بلا قطع حساب علمي. أمّا الأجهزة الرقابية التي بُنيت في عهد فؤاد شهاب، من مجلس الخدمة المدنية إلى التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية، فإما شُلّت وإما فرِّغت من مضمونها. حتى الشراء العام وتلزيمات المشاريع الكبرى والتدقيق البيئي وعمليات نقل وترقية الموظفين، وصولاً إلى التشكيلات القضائية وترقية ونقل ضباط وعناصر القوى الأمنية، خضعت كلّها لمزاج الطبقة السياسية بدل معايير المصلحة العامة والقوانين المرعيّة الإجراء. إلى درجةٍ اختلط فيها حابل المصالح بنابل التشريع، فتحوّلت الإدارة العامّة إلى نسخة حديثة من “دجاجة ستالين”، تنتف ريش الشعب وتُخضعه، مقابل فتاتٍ من خدماتٍ تُقدّمها له وكأنّها مِنّة، فيما هي في الأصل جزء من حقوقه الأساسية.

لكن الوجه الأخطر للمعادلة يظهر عندما يختلط نموذج "الكارتلات النخبوية" مع ملامح "الأوليغاركية والعشائر": أي حين تمتلك قوى سياسية أدوات قوة تتجاوز قدرة الدولة نفسها. هذا تمامًا ما فعله حزب الله، الذي أضاف إلى شبكة الفساد طبقة حماية مسلّحة مكّنته من تعطيل حكومات، وفرض رؤساء، والتحكّم باستحقاقات، وإسقاط نتائج انتخابات. السلاح هنا لم يكن مجرد عنصر قوة، بل ضمانة لمنظومة المافيا ـ الميليشيا التي شرّعت نهب الدولة بلا خوف من القانون. ومع الانهيار الاقتصادي، ازداد المشهد قتامة: استفادت الميليشيا من الفوضى المالية، اقتصاد الكاش، غياب الرقابة على حركة الأموال، وغسل الأموال، لتوسّع حضورها الاقتصادي وتتحوّل إلى دويلة مالية داخل الدولة المنهارة.

وبحسب قراءة جونستون، فإن الإصلاح في دول من هذا النوع لا يبدأ بقوانين جديدة، ولا بإنشاء هيئات رقابة إضافية، لأن كل ذلك يُبتلع بسهولة داخل منظومة الكارتلات. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تفكيك الاحتكار السياسي، ومن استعادة الدولة لقدرتها على فرض القانون، ومن كسر هيمنة القبلية الحزبية وسلطة السلاح، وفتح النظام السياسي أمام مشاركة أوسع تحاصر الزبائنية وتعيد الاعتبار للمؤسسات لا للأشخاص.

من دون ذلك، سيبقى لبنان محكومًا بمعادلة “تقاسم الغنائم”، وستظل كل محاولة إصلاح مجرّد ديكور يوضع على جدران نظام يشتغل،في جوهره، كمنظومة فساد مستدامة… لا كدولة تُحارب الفساد.