تعيش رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي في لبنان واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، في لحظة تتقاطع فيها الأزمة المالية والاقتصادية مع تراجع الثقة العامة بدور مؤسسات العمل النقابي. فما يُسجَّل على قيادة الرابطة اليوم لا يقتصر على بطء في الأداء أو محدودية في الموارد، بل يتجاوز ذلك نحو تكريس نهج يتشابه إلى حدّ بعيد مع ممارسات قيادات سابقة كانت تراعي توازنات القوى السياسية ويقوم على مراعاة التسويات والرهان على الوعود بدل بناء استراتيجية نقابية مبنية على قوة الموقف ووحدة المصلحة. فيأتي ذلك على حساب استقلالية القرار النقابي.
ففي أكثر من محطة، بدا أن خطاب الرابطة يتجه نحو التصعيد حين يعلو صوت القاعدة، ليعود إلى التهدئة عند أول إشارة من القوى السياسية الداعمة. وهذا النمط من العمل النقابي، القائم على رد الفعل أكثر من الفعل، يُفرغ التحركات من مضمونها ويُفقدها ثقة القواعد التي تنتظر نتائج لا بيانات إضافية.
فبدل أن تكون الرابطة سلطة نقابية موازية تحمي حقوق الأساتذة وتصون كرامتهم المهنية، باتت تتحرك غالبًا وفق اعتبارات تساير القوى الحزبية التي أوصلت ممثليها إلى مواقع القرار داخلها. فيظهر ذلك في الخطاب المتردد، والقرارات التي تعلن ولا تُنفّذ، والتحركات الميدانية الموسمية التي تُستخدم أحيانًا لتنفيس الاحتقان أكثر ممّا تستخدم كوسيلة لتحقيق مطالب حقيقية. وهكذا يجد الأساتذة أنفسهم أمام قيادة تتبنّى لغة التصعيد لفظيًا، لكنها تعود إلى طاولة التهدئة سريعًا عند أول إشارة سياسية، فتنتهي التحركات بلا نتائج، ويزداد الإحباط في صفوف الجسم التعليمي.
إلا أنّ المسؤولية لا يمكن حصرها في القيادة وحدها، فالأساتذة، بوصفهم أصحاب القرار النهائي عبر صناديق الاقتراع، أسهموا في إعادة انتخاب ممثلي الأحزاب الداعمة للسلطة داخل الرابطة، رغم الانتقادات الواسعة. وفي مفارقة لافتة، يطالب كثيرون بالتغيير بينما تعيد صناديقهم إنتاج الاصطفافات ذاتها، فيكرّسون عمليًا ما يعترضون عليه نظريًا، ويربطون من حيث لا يدرون خيارات الرابطة، بخيارات السلطة نفسها التي تدير الأزمة الاقتصادية والتربوية.
الموقع الوظيفي… مفهوم يستحق أن يعود إلى الواجهة
بداية وعند الحديث عن الموقع الوظيفي لأستاذ التعليم الثانوي، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار، الترابط الكبير بين المعنى القانوني لمفهوم الموقع الوظيفي، وواقع الأستاذ التعليمي المختل لمصلحة مسميات متعددة ادخلت الى التعليم (متعاقد – منتدب – مستعان بهم – وو)، كان على قيادة الرابطة التصدي لها باستمرار من ضمن دفاعها عن الموقع الوظيفي أولا، وتمسكها بتطوير التعليم الرسمي، جوهر العمل النقابي الساعي دائمًا الى تطوير المهنة. علمًا أن إعادة الاعتبار الى الموقع الوظيفي والتمسك به من قبل اساتذة التعليم الثانوي، سيعفيهم من تعقيدات المطالب المتداخلة مع كافة موظفي القطاع العام، ويوفر عليهم عناء التبريرات عن أحقية المطالب، اسوة بما هو حاصل مع أساتذة التعليم الجامعي بحده الأدنى.
ثم الحديث والتركيز على اهمية مرحلة التعليم الثانوي التي تعتبر حلقة أساسية وفعالة للوصل مع التعليم الجامعي، الذي يرفد مجمل قطاعات العمل بالمهارات والكفاءات المطلوبة لاسيما في عصر الثورة التكنولوجية والذكاء الصناعي.
لذلك تأتي اليوم اهمية طرح مفهوم "الموقع الوظيفي لأساتذة التعليم الثانوي" بوصفه عنوانًا لمطلب تتجاوز أهميته الواقع المعيشي، ليصل إلى بنية الدولة التعليمية. فالموقع الوظيفي لا يعني مجرد راتب أعلى أو حوافز إضافية، بل يشير إلى مكانة مهنية وقانونية داخل الهيكل الوظيفي العام، تعترف بالدور الذي يؤديه الأستاذ الثانوي:
كمؤهل متخصص حامل لشهادات عليا؛
وكحلقة تربوية مفصلية بين المدرسة والجامعة؛
ومسؤول عن إعداد أجيال تلتحق بسوق العمل أو التعليم العالي.
إن الفجوة الآخذة في الاتساع بين أساتذة التعليم الثانوي وزملائهم في التعليم الجامعي، سواء في الرواتب أو التعويضات أو المكانة الأكاديمية، باتت تهدد جاذبية المهنة وقدرتها على استقطاب الكفاءات. فكيف يمكن للنظام التربوي أن يحافظ على مستواه إن بقي الأستاذ الذي يؤسس للمرحلة الجامعية في موقع وظيفي أدنى بكثير، بغض النظر عن مستوى ما وصلت إليه حال الجسم التعليمي المترهلة، حيث تشترك في المسؤوية عن وصوله الى هذه الحالة، السلطات السياسية أوّلًا ثم قيادات العمل النقابي المتعاقبة.
إنّ التعليم الثانوي الرسمي اليوم أمام لحظة اختبار: إما أن يبني موقعًا وظيفيًا يحفظ كرامة المهنة ويضمن استمرارها، وإما أن يواصل الدوران في الحلقة نفسها، بين تصعيد موسمي وتهدئة غير مبررة. والرهان يبقى على وعي الأساتذة وقدرتهم على فرض توجه جديد داخل الرابطة، يعيد الاعتبار لصوتهم ويدفع نحو نقابة أكثر استقلالًا ومهنية وجرأة في الدفاع عن المدرسة الرسمية ومستقبلها . وبذلك يكون الاساتذة بنو خارطة طريق واضحة ترتكز اولا واخيرا على اعادة الاعتبار للموقع الوظيفي لأستاذ التعليم الثانوي ، الذي وحده يقلص الفجوة مع التعليم الجامعي ، من خلال آليات تدريجية تشمل تراتبية الرواتب، ونظام حوافز مرتبطًا بالدراسات العليا والتدريب المستمر. و يحرر الأساتذة من تبعية الالتحاق بكافة وظائف الدولة الأخرى تعليمية وادارية ، وغيرها .
باحث ومدرس مادة علم الاجتماع