يشهد مسار العلاقة بين الدولة اللبنانية ودولة فلسطين تحوّلًا نوعيًا منذ تولّي ياسر محمود عباس، الممثل الخاص لرئيس دولة فلسطين محمود عباس، مهامه في بيروت، في مرحلة إقليمية معقّدة فرضتها تداعيات ما بعد السابع من تشرين الأول، والتي أفرزت تبدّلات حادة في الواقعَين الأمني والسياسي في المنطقة. ولم يبقَ هذا التحوّل في إطار الخطاب فقط، بل تُرجم عمليًا في مقاربة الملفات الحسّاسة، وفي مقدّمها :ملف المخيمات، السلاح غير الشرعي، وحدود الصلاحيات والسيادة.
منذ وصوله إلى العاصمة اللبنانية بتكليف من الرئيس الفلسطيني، اعتمد ياسر عباس أسلوبًا مختلفًا في إدارة العلاقة الثنائية، قائمًا على منطق دولة إلى دولة، بعيدًا من أدبيات المرحلة السابقة التي اتسمت بتداخلات سياسية وأمنية غير منضبطة. وارتكز هذا الأسلوب على إعادة تثبيت المرجعيات الرسمية، وتعزيز قنوات التواصل المؤسسي بين بيروت ورام الله، وبناء الثقة على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة وحصرية القرار.
العلاقة الفلسطينية - اللبنانية: من التباس إلى وضوح قانوني
تؤكد مصادر لبنانية مطّلعة لـ "نداء الوطن" أن ياسر عباس كان لاعبًا محوريًا في إطلاق المسار العملي لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني خارج إطار الدولة، عبر تنسيق مباشر مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وقيادة الجيش والأجهزة الأمنية. وتم اعتماد مقاربة هادئة وتراكمية، بعيدًا من أي منطق صدامي، هدفها تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بما فيها المخيمات.
في هذا السياق، أعلن سفير دولة فلسطين لدى لبنان محمد الأسعد موقفًا رسميًا مفصليًا، مؤكّدًا أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هم ضيوف موقتون إلى حين العودة الحتمية إلى وطنهم فلسطين، وأن مخيمات اللاجئين تقع تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانية. وقد أسهم هذا الموقف في وضع حدّ لسنوات من الالتباس، وأعاد تصويب العلاقة الفلسطينية - اللبنانية على أسس قانونية ودستورية واضحة.
وفي السياق نفسه، يحرص الأسعد على إبراز الدور المحوري لكل من المملكة العربية السعودية وفرنسا، وعلى أهمية تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان نيويورك، الذي رسّخ مسارًا لا رجعة عنه نحو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة، وإرساء سلام عادل وشامل. وقد تزامن ذلك مع موجة اعترافات دولية بدولة فلسطين، وإقدام عدد من الدول على اتخاذ إجراءات عملية تهدف إلى وقف العدوان وإنهاء الاحتلال .
إدارة السلاح والتنسيق الأمني
على المستوى العملي، عمل عباس على تكريس معادلة مفادها أن أي سلاح خارج إطار الدولة يضعف الاستقرار ولا يشكّل عنصر حماية للمخيمات، وأن تسليمه للمؤسسات الشرعية هو مدخل أساسي لتعزيز الأمن. وبموازاة ذلك، تم تكثيف التنسيق الأمني بين الجانبَين لضبط الواقع الميداني داخل المخيمات وفي محيطها، ومنع تحوّلها إلى منصّات أمنية خارجة عن السيطرة.
في المقابل، ثُبّت الموقف الفلسطيني الرافض بشكل قاطع لأي مشروع توطين، مع التشديد على التمسّك بحق العودة استنادًا إلى القرار الدولي 194، واعتباره حقًا ثابتًا لا يسقط بالتقادم. ويجري اليوم تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان ضمن مقاربة توازن بين الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية وصون الاستقرار والأمن اللبنانيين .
إعادة تنظيم العمل الفلسطيني
قاد ياسر عباس مرحلة إعادة تنظيم الساحة الفلسطينية في لبنان، لا سيما داخل حركة "فتح"، حيث تم تنفيذ التفاهمات السياسية والأمنية المبرمة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون بشأن ملف السلاح. وقد جرى تطبيق هذه الخطوات بتدرّج مدروس، رغم اعتراض بعض الفصائل الإسلامية، أبرزها حركة "حماس"، ما ساهم في الحفاظ على الاستقرار ومنع أي اهتزاز أمني داخل المخيمات. وبالتوازي، نسج عباس أفضل العلاقات مع مختلف المكوّنات اللبنانية، سواء مسيحية أو مسلمة، في محاولة لإخراج الملف الفلسطيني من حسابات الانقسام الداخلي وتعزيز الشراكة الوطنية .
وتشير مصادر فلسطينية مستقلة لـ "نداء الوطن" إلى أن هذه المرحلة ترافقت مع حملة جدّية لمكافحة الفساد داخل الأطر التنظيمية في المخيمات، أسفرت عن إعفاء مسؤولين متورّطين في ملفات مالية وإدارية بقرارات مباشرة من رام الله. كما أُطلقت عملية إعادة هيكلة شاملة، فُصلت خلالها الأدوار بين السفارة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة "فتح" واللجان الشعبية، بما أعاد الانتظام المؤسسي إلى العمل الفلسطيني في لبنان.
أمنيًا، شكّل تعيين اللواء بحري العبد إبراهيم خليل قائدًا لقوات الأمن الوطني الفلسطيني محطة مفصلية في مسار إعادة الضبط الميداني، وهو يتابع هذا الملف يوميًا بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، ضمن مقاربة عنوانها منع أي انفلات وتكريس الأمن داخل المخيمات باعتباره جزءًا من الأمن الوطني اللبناني.
انعكاسات اجتماعية ودبلوماسية
اجتماعيًا، انعكست هذه التحوّلات على المستوى المعيشي للاجئين الفلسطينيين، إذ أُطلقت إجراءات لتحسين الخدمات الأساسية، بالتوازي مع منح تصاريح لإدخال مواد البناء إلى المخيمات، ما أتاح للأهالي البدء بترميم منازلهم الآيلة للسقوط، في مؤشر عملي على تطوّر منسوب الثقة بين الجانبين.
دبلوماسيًا، تجلّى هذا التحوّل في المشهد الرسمي الكثيف الذي شهدته مناسبة "إعلان الاستقلال" و"اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني" في بيروت، بحضور ممثلين عن الرؤساء الثلاثة وأكثر من خمسين سفيرًا وبعثة دبلوماسية، إلى جانب قيادات سياسية وأمنية وروحية.
بهذا المسار، يرسّخ ياسر عباس معادلة جديدة لإدارة الوجود الفلسطيني في لبنان، قائمة على الشراكة مع الدولة اللبنانية واحترام سيادتها وتحصين أمنها، في توازٍ دقيق مع حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدّمها حق العودة، بما يفتح صفحة أكثر استقرارًا ووضوحًا في تاريخ العلاقة الفلسطينية - اللبنانية، ويمهّد لمرحلة من التنسيق البناء وتعزيز الثقة بين الطرفين .