د. بولا أبي حنا

"اليونيفيل"... نهاية مهمّة أم سقوط عقيدة؟

5 دقائق للقراءة
لم تكن المشكلة في "القبعات الزرق" بل في طبيعة المهمّة وفلسفتها (أ ف ب)

في 31 كانون الأول 2026، لا تنتهي فقط مهمة قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، بل ينتهي معها نموذج كامل اعتمدته الأمم المتحدة طوال ما يقارب نصف قرن لإدارة الأمن على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. والسؤال اليوم ليس لماذا تنتهي مهمة اليونيفيل، بل لماذا لم يعد المجتمع الدولي مقتنعُا بجدوى استمرارها؟

منذ صدور القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، أوكل إلى "اليونيفيل" والجيش اللبناني الإشراف على منطقة يفترض أن تكون خالية من أي سلاح غير شرعي جنوب الليطاني. لكن التجربة أثبتت أن أحد أهم أهداف القرار لم يتحقق. وما كشفته الحرب الأخيرة من شبكة أنفاق هجومية، ومستودعات ضخمة للصواريخ والطائرات المسيّرة، ومراكز قيادة محصنة تحت الأرض داخل المنطقة التي كان يفترض أن تكون خالية من أي وجود عسكري، يشكل الدليل الأوضح على فشل منظومة المراقبة الدولية. فهذه ليست مجرد مخابئ صغيرة يصعب اكتشافها، بل بنية عسكرية متكاملة استغرق بناؤها سنوات طويلة، ما يطرح سؤالا مشروعًا: أين كانت منظومة الرقابة الدولية طوال تلك السنوات؟ وكيف أمكن إنشاء هذا الحجم من التحصينات في منطقة خاضعة للقرار 1701 من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في آليات عمل القوة الدولية؟

لقد أثبتت الوقائع أن "حزب الله" تمكن، رغم وجود "اليونيفيل"، من إعادة بناء بنيته العسكرية والتحرك داخل المنطقة المشمولة بالقرار، الأمر الذي جعل أحد أهم أهدافه، وهو جعل المنطقة جنوب الليطاني خالية من السلاح غير الشرعي، حبرًا على ورق. فالأنفاق لم تكشف فقط حجم الترسانة العسكرية، بل كشفت أيضًا حدود نموذج "حفظ السلام" عندما يفتقر إلى الإرادة السياسية وصلاحيات التنفيذ.

في علم السياسة، يعرّف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل أراضيها. وهذا المبدأ لم يتحقق في جنوب لبنان، إذ لم تستطع الدولة اللبنانية أن تستعيد احتكارها للسلاح، كما لم تتمكن الأمم المتحدة من فرض تنفيذ القرار الدولي.

المشكلة لم تكن في عدد الجنود أو تجهيزاتهم، بل في طبيعة المهمة نفسها. فـ"اليونيفيل" كانت قوة لحفظ السلام (Peacekeeping)، لا قوة لفرض السلام .(Peace Enforcement) وكانت مهمتها الأساسية مراقبة وقف الأعمال العدائية ورفع التقارير، لا استخدام القوة لفرض تنفيذ القرار 1701 أو إزالة السلاح غير الشرعي. لذلك، عندما كانت دورياتها تتعرض للاعتداء أو تمنع من الوصول إلى مواقع معينة، كانت تعود إلى المرجعية البيروقراطية للأمم المتحدة، حيث تستغرق القرارات السياسية والإدارية وقتًا طويلا، فيما كانت الوقائع على الأرض تتغير بسرعة.

وكما قال كلاوزفيتز، إن "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى". وبالتالي، إن أي قوة دولية لا تمتلك إرادة سياسية واضحة لا تستطيع أن تنجح عسكريًا، مهما بلغ عدد جنودها أو حجم تجهيزاتها. فمشكلة "اليونيفيل" لم تكن في قدراتها العسكرية، بل في غياب القرار السياسي الذي يسمح لها بفرض تنفيذ المهمة الموكلة إليها.

لقد تحولت "اليونيفيل"، في نظر كثيرين، إلى قوة توثق الوقائع أكثر مما تمنعها، وإلى جهاز للمراقبة والإحصاء ورفع التقارير أكثر منه قوة قادرة على فرض تنفيذ القرارات الدولية. وفي الدراسات الأمنية، لا يكفي وجود قوة دولية، بل يجب أن تتمتع بما يعرف بـ"الردع الموثوق" (Credible Deterrence)، أي أن يقتنع الطرف المقابل بأنها قادرة ومستعدة لاستخدام القوة عند الضرورة. وهذا العنصر افتقدته "اليونيفيل" طوال العقدين الماضيين.

لهذا السبب، يبدو أن النقاش الدولي لم يعد يدور حول تمديد ولاية "اليونيفيل"، بل حول القوة التي ستملأ الفراغ الأمني بعد رحيلها. وفي هذا الإطار، يكتسب التنسيق الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أهمية خاصة، باعتبار أن باريس وروما كانتا العمود الفقري لليونيفيل، وتسعيان إلى إطلاق مرحلة جديدة لما بعد القوات الدولية التقليدية، عبر دعم الجيش اللبناني ومنع أي فراغ أمني.

وتتحدث أوساط سياسية وأمنية عن قوة جديدة قد تضم عددًا محدودًا من الدول، وربما دولا عربية، إلى جانب برامج لتدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. إلا أن المسألة الجوهرية ليست في عدد الدول المشاركة، بل في طبيعة التفويض الذي ستمنحه لها الدول الراعية، وسرعة اتخاذ القرار، وقواعد الاشتباك التي ستخضع لها.

إسرائيل، التي انتقدت أداء "اليونيفيل" مرارًا، لا تبدو مرتاحة للدور الأوروبي وحده، ولا سيما الفرنسي والإيطالي، وهي لا تخفي ثقتها الأكبر بالدور الأميركي. لذلك، ترجح تحليلات عدة أن تكون للولايات المتحدة مشاركة أساسية في القيادة أو في آليات اتخاذ القرار والتنسيق الأمني، بما يمنح القوة الجديدة مرونة أكبر من تلك التي كانت تخضع لها قوات الأمم المتحدة، وإن كان ذلك لم يُعلن رسميًّا حتى الآن.

ويبقى السؤال الحاسم: هل ستكون القوة الجديدة مختلفة فعلا؟ هل ستملك قواعد اشتباك واضحة؟ وهل سترد إذا تعرضت للهجوم أو إذا واجهت مجموعات مسلحة تعرقل مهمتها؟ أم أنها ستعيد إنتاج تجربة "اليونيفيل" بأسماء جديدة؟

إن المشكلة لم تكن يومًا في لون القبعات الزرق، بل في فلسفة المهمة نفسها. فالأمم المتحدة نجحت غالبًا في إدارة النزاعات أكثر مما نجحت في حلها، لأن بنيتها تقوم على التوافق والبيروقراطية، لا على الحسم والتنفيذ. وإذا بقيت القوة الجديدة أسيرة القيود نفسها، فإنها ستكرر التجربة ذاتها.

أما إذا مُنحت صلاحيات تنفيذية واضحة، وسلسلة قيادة سريعة، وقواعد اشتباك حاسمة، وعملت إلى جانب الجيش اللبناني لإعادة احتكار الدولة للسلاح وتطبيق القرار 1701 بحزم، فقد يكون 31 كانون الأول 2026 بداية مرحلة أمنية جديدة، لا مجرد نهاية لمهمة دولية، بل نهاية مرحلة كاملة من إدارة الأمم المتحدة للجنوب اللبناني.


أستاذة جامعية