طوال نصف قرن والدعاية المبرمجة تحاول إقناع الناس أن المسيحيين كانوا سنة 1976 مع انتشار الجيش السوري في لبنان: هل كانوا مع هذا الانتشار؟
لنستعرض بعض الوقائع في الشمال:
تمرّد ثكنة دده
لم يتقبل أحد من مسؤولي وعناصر تنظيمات "القوات اللبنانية" الموحدة في الشمال قرار انتشار القوات السورية تحت اسم قوات الردع العربية في مدنهم وقراهم، لكنهم خضعوا لقرار "الجبهة اللبنانية" بالانسحاب من مواقعهم والعودة إلى بيوتهم: وحدها ثكنة الكتائب في دده التي كان يقودها الدكتور سمير جعجع تمردت.
عندما صدرت الأوامر نهار الجمعة 19 تشرين الثاني 1976 إلى جميع وحدات "القوات اللبنانية" الموحدة بمباشرة الانسحاب، وبدأ تجميع الأسلحلة الثقيلة والآليات لم تتحرك ثكنة دده وكأن الأمر لا يعنيها.
تشكلت ثكنة دده بقيادة الدكتور سمير جعجع في تموز 1976 في معهد الأب نادر التقني بعد دخول مجموعات "القوات اللبنانية" الموحدة إلى الكورة وانسحاب "القوات المشتركة" منها وكانت أكبر ثكنة في الكورة وضمت قرابة 200 مقاتل من بشري وقرى قضائها وبعض قرى الكورة.
يخبر الأستاذ بهيج عبود أن المسؤولين عن الثكنة سألوا الدكتور جعجع عندما وصلتهم التعليمات ببدء تفكيك وجمع الأسلحة عما سيفعلوه؟ رد بالقول: طولوا بالكم.
نهار الانتشار السوري كان الدكتور جعجع وبعض مسؤولي الثكنة يقفون على سطحها يراقبون مرور القافلة السورية، فقال أحدهم للدكتور جعجع: "الهيئة صار الانتشار بهدوء". رد، وهو ينظر إلى الآليات: "هلق انتشروا انشالله يطلعوا من دون معركة".
أضاف: "هودي قوات سلام؟ معهم مدفعية وين في قوات سلام معها مدفعية؟ ضد مين رح يستعملوا المدفعية؟ شفتوا صناديق الذخيرة بالشاحنات؟: جايي أيام صعبة"!
لم يغادر أي مقاتل الثكنة، ولم يذهب أحد إلى مأذونيته.
مساء 20 تشرين الثاني كانت كل ثكنات ومواقع مجموعات "القوات اللبنانية" أخليت في الشمال ما عدا القليل منها التي بقي فيها بعض العناصر لإكمال نقل المعدات اللوجستية.
صباح 21 تشرين الثاني لم يتغير شيء في ثكنة دده والمواقع التابعة لها، وبدأ عدد من المقاتلين الذين كانوا أخلوا ثكناتهم الالتحاق بثكنة دده وراحت أعدادهم تزداد.
يخبر الرائد جان القاصوف أن عدم إخلاء ثكنة دده ولا حتى أي مركز تابع لها أقلق السوريين، فتوجه بعض ضباط الارتباط إلى الثكنة للقاء الدكتور جعجع لمعرفة سبب عدم إخلاء الثكنة وموعد الإخلاء ولم يحصلوا على جواب واضح.
يضيف: "أكثر ما أقلقنا أنه لم يتم سحب مربض المدفعية التابع لثكنة دده الموجود في محلة "كسارات الأحدب" عند أطراف دده، وهذا موقع استراتيجي واستعمل قبل أيام عند رد الهجوم المفاجئ الذي تعرضت له مواقع "القوات اللبنانية" في راس مسقا، فكان لا بد من تحرك سريع، خاصة بعدما بدأت تصلنا معلومات عن التحاق مقاتلين كانت أقفلت ثكناتهم بثكنة دده ومؤكد ستزداد أعدادهم وتخوفنا من إشكالات مع القوات السورية.
عصر نهار الاستقلال 22 تشرين الثاني وصل الشيخ بشير الجميل إلى ثكنة دده واختلى بالدكتور جعجع ثم عقد اجتماع مصغر لمسؤولي الثكنة.
حصيلة اللقاء
هناك قرار من "الجبهة اللبنانية" بإخلاء كل الثكنات والتجمعات العسكرية وتسهيل مهمة قوات الردع العربية: كلنا غير موافقين عليه، ولكن لا يمكننا حالياً معارضته. لن تقفل الثكنة بل ستنتقل إلى أوتيل بالاس في بشري. هكذا كان، وبدأ الانسحاب من دده إلى بشري، فيما غادر الشيخ بشير الجميل والدكتور سمير جعجع إلى اجتماع شكا.
لم تقفل الثكنة
بعد مغادرة الدكتور جعجع إلى شكا، بدأ سحب قطع المدفعية من مرابضها وتجميع أغراض الثكنة والصعود إلى أوتيل بالاس. لم يكن الأوتيل يستطيع استيعاب الجميع، فتم إنزال مجموعات في حدث الجبة في منزل يقع مقابل السنترال، وفي منزل آخر على طريق حدث الجبة – تنورين وضعت عنده بعض قطع المدفعية.
استمر تواجد مقاتلي ثكنة دده في أوتيل بالاس وحدث الجبة دون انقطاع حتى المواجهة مع السوريين أواخر شهر آب 1978 حين تم الانسحاب إلى جرود البترون، ومن ثم إلى دير القطارة. ومن مقاتلي ثكنة دده تشكلت نواة ثكنة القطارة.
وجود شباب ثكنة دده في أوتيل بالاس وحدث الجبة سهل تحركهم السريع في مواجهة القوات السورية عندما حاولت اقتحام بلدة بلّا سنة 1977.
اجتماع سينما البيكادلي في شكا
في محاولة لتهدئة الكتائبيين في الشمال، وإقناعهم بتسهيل مهمة قوات الردع العربية، دعا مفوض الشمال العسكري في حزب الكتائب نعوم موسى جميع مفوضي (المسؤولين العسكريين) الأقسام الكتائبية في الشمال ومسؤولي القطع والثكنات إلى اجتماع في شكا مع الشيخ بشير الجميل. في هذا الاجتماع كان الشيخ بشير صريحًا جدًا: "ما حصل لسنا موافقين عليه، ولكن الآن لا يمكننا فعل شيء سوى الانتظار قليلًا: لن نواجه الجبهة اللبنانية حاليًا. أنا لا تهمني مواقف الجبهة اللبنانية السياسية: يريدون إرجاعنا إلى مرحلة ما قبل 13 نيسان 1975. أنا أقول لكم: يلي ما قدروا ياخدوه من برا ما رح نخليهم ياخدوه من جوا. ارجعوا إلى بيوتكم ومدارسكم وأعمالكم، ولكن أبقوا بنادقكم جاهزة وعند النوم أغمضوا عين واحدة فقط. صاروا بيننا وتاريخهم مشهور بالغدر. الآن فترة هدوء ومراقبة، ولكن سنبقى على أتم الجهوزية وقريبًا سنعود إلى مخيمات التدريب. يمنع على أي مقاتل أو حزبي التواصل الإفرادي مع الضباط والجنود السوريين: في مسؤولي الارتباط مهمتهم التنسيق، أما دعوات الغداء والعشاء فممنوعة بالكامل وكل من يخالف هذا القرار يفصل نهائيًا ويتم إبعاده عن الأقسام والوحدات الحزبية".
ختم الاجتماع بالقول: "كونوا حذرين من الأيام القادمة".
اجتماع مسؤولي "الأحرار" في السوديكو
من أجل تسهيل انتشار قوات الردع العربية وبعد تزايد اعتراضات محازبي الأحرار في الشمال، دعي رؤساء فروع حزب "الوطنيين الأحرار" في الشمال للاجتماع بالرئيس كميل شمعون وأمين الدفاع داني شمعون في السوديكو.
في الاجتماع كان الرئيس شمعون واضحًا: "الآن لا إمكانية لمعارضة انتشار قوات الردع العربية لقد أبلغوني من السفارة الأميركية مباشرة: سيتم سحق أي مجموعة تقف في وجه هذا الانتشار. لن أقبل بإراقة نقطة دم واحدة منكم، عليكم إقناع المحازبين بتسهيل الانتشار ولكن أبقوا جاهزين".
يؤكد أحد المشاركين في الاجتماع أن الرئيس شمعون استعمل كلمة "سحق" وكررها بالإنكليزية.
خلال الاجتماع سأله أحد المشاركين: "فينا نعتبر فخامة الرئيس انتهت الحرب"؟
رد بعد أن تأمل السائل لثوانٍ: "أنا ومَن في عمري لن نشهد انتهاء الحرب، وحتى أنتم لن تشهدوا نهايتها ولا أعرف إن كان أولادكم أو أحفادكم سيشهدون انتهاء الحرب في لبنان: القصة كتير طويلة".
بعد مغادرة الرئيس شمعون استكمل الاجتماع مع داني شمعون الذي طلب من الموجودين الهدوء حاليًا وعدم استفزاز القوات السورية والبقاء في جهوزية، ومما قاله: "أنا غير مرتاح للأيام القادمة".