جواد الصايغ

تركيا نحو وراثة "مقاومة" إيران

4 دقائق للقراءة
سوريا أصبحت تشكّل ميدانًا لصراع النفوذ الإسرائيلي - التركي (رويترز)

طوال انخراطه في الحرب السورية التي دارت لحوالى 14 عامًا، لم يُسجّل لـ "حزب اللّه" مواجهة مباشرة له في وجه الجيش التركي سوى في مناسبة واحدة أواخر شباط 2020 في ريف إدلب، وتمّت معالجتها بسرعة قياسية.

ومع سقوط النظام السوري أواخر العام الماضي، والضربات العسكرية التي تعرّضت لها الجماعات المتحالفة مع إيران في غزة ولبنان وسوريا والعراق، ثمّ طهران نفسها، وانكفاء الأخيرة إلى الداخل للملمة الخسائر، برز سؤال حول مستقبل الأذرع التي استثمرت فيها إيران لعشرات السنوات، وبينها من يمتلك علاقات وثيقة بالحكومة التركية.

خلال مهلة الـ 60 يومًا التي أعطاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للجمهورية الإسلامية من أجل التوصّل إلى اتفاق حول برنامجها النووي، ومع ظهور معطيات تشير إلى عدم إمكانية رضوخ طهران لمطالب واشنطن، كانت التحضيرات الإسرائيلية لشن هجوم على إيران تجري على قدم وساق، والنقاش يومها كان يدور حول الهدف الرئيسي الذي تريد تل أبيب تحقيقه من خلال هذا الهجوم.

وبينما كانت الأصوات الإسرائيلية تعلو لإسقاط النظام الإيراني بشكل كامل، الأمر الذي يعني القضاء على رأس الهرم أي المرشد الأعلى للثورة، غلب في نهاية المطاف رأي استند إلى نظرية أن استهداف خامنئي مباشرة سيُسقط النظام، ولكن بالمقابل هناك عواقب لهذا الأمر قد تكون أشدّ خطرًا على إسرائيل من النظام الإيراني نفسه.

النظرية ارتكزت على اعتبار أن مقتل المرشد سيسبّب فراغًا كاملًا، وفي حين أن الصورة الداخلية في طهران لن تكون واضحة في "اليوم التالي"، ستنجح أنقرة بواسطة الزخم الذي حصلت عليه للتوّ في سوريا في ملء هذا الفراغ. وفي الحسابات الإسرائيلية، فإن أنقرة اليوم تشكّل خطرًا على تل أبيب يفوق الخطر الحالي الذي تشكّله طهران.

سوريا أصبحت تشكّل ميدانًا لصراع النفوذ الإسرائيلي - التركي بعدما كان ستاتيكو السنوات الماضية يقوم على الصراع الإسرائيلي - الإيراني، فالأتراك يتواجدون عسكريًا في الشمال، وتأثيرهم السياسي يصل إلى دمشق، بينما تتمدّد إسرائيل في الجنوب السوري، وأصبحت على مسافة غير بعيدة من العاصمة، وتمتلك بصمة في الشمال الشرقي إلى حدّ ما، وتسعى جاهدة إلى منع إقامة قواعد عسكرية تركية في وسط البلاد وجنوبها.

ولأن المواجهة عبارة عن امتلاك أوراق في وجه الطرف الآخر، يبدو أن تركيا تسعى إلى الاستفادة من الانحسار الإيراني بعد الضربات التي تعرّض لها المحور في العامين الماضيين، وإعادة الاستثمار في الأوراق في وجه حكومة بنيامين نتنياهو لتحقيق مكاسب ترغم الأخيرة على عدم الاقتراب، والتوقف في مكان معيّن لتثبيت قواعد الاشتباك.

تركيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع "حماس"، وكان لها دور بارز في التوصّل إلى اتفاق وقف النار في غزة، كما أنه لم يعد خافيًا وجود قنوات تواصل مباشرة مع "حزب اللّه" في لبنان. "الحزب" بلا أدنى شك وفي ظلّ الظروف التي يمرّ بها والتراجع الإيراني، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى غطاء إقليمي، والأهمّ غطاء "سنيّ"، ومصلحة "الحزب" في التقارب مع تركيا لا تقلّ عن مصلحة الأخيرة.

الأوراق التركية، وفق هذه المقاربة، أصبحت جاهزة ويمكن لها أن تشكّل نوعًا من التوازن في الكباش مع إسرائيل، فإذا كان للأخيرة تواصل مع "قسد"، التي ينظر إليها الأتراك على أنها تهديد للأمن القومي، فإن أردوغان يمكنه الدفع بأوراق من شأنها إثارة المخاوف داخل تل أبيب، إن كان من الجنوب السوري، أو لبنان، أو غزة، وحتى الضفة الغربية.

وما يعطي تركيا ارتياحًا أكبر، أنها وعلى عكس إيران التي كانت تفتقر إلى الغطاء العربي في المواجهة، تمتلك أنقرة علاقات ممتازة مع عدد من الدول العربية، وعلى رأسها قطر، كما أن العلاقة جيّدة جدًا في الوقت الحالي مع المملكة العربية السعودية، والتوتر مع مصر لم يعد كما كان في السنوات التي تلت خسارة جماعة "الإخوان المسلمين" للحكم هناك، وأيضًا تنظر إلى نفسها في الوقت الحالي على أنها مقرّبة من الإدارة الأميركية التي تقف على مسافة واحدة من تركيا وإسرائيل، بحيث إن ترامب يُغدق بالثناء دومًا على أردوغان، ويعتبره حليفًا. وسط هذه الظروف، هل تنجح تركيا بنقل "يافطة" المقاومة من المرجعية الشيعية المتمثلة بإيران، إلى المظلّة "السنية"؟