الراعي: السجون في ازدراء… ولبنان بحاجة إلى شجاعة ومسار جديد

3 دقائق للقراءة

شدّد غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أنّ واقع السجون في لبنان "في حالة من الإزدراء والسوء"، مؤكّدًا أنّه لا يمكن اعتبارها مراكز إصلاح كما تنصّ شرعة حقوق الإنسان، وذلك بسبب غياب الدولة عن الاهتمام بها وعدم القدرة على تأمين الإمكانات اللازمة لتسهيل عمل المرشدية ورسالتها.

كلام الراعي جاء خلال عظة الأحد التي ألقاها في القداس الإلهي في الصرح البطريركي في بكركي، بمناسبة "يوم السجين" ضمن احتفالات "يوبيل الرجاء"، حيث توقّف عند إنجيل البشارة ليوسف، معتبرًا أنّ كلّ واحد منّا يحمل شيئًا من حيرة يوسف وخوفه وانتظاره، لكنّه يلتقي أيضًا حول الوعد الإلهي نفسه: "لا تخف"، داعيًا إلى أن يكون هذا الزمن زمن نعمة وتجديد ثقة واستعداد حقيقي لاستقبال الرب في الميلاد.

وتوقّف غبطته عند عمل المرشديّة العامة للسجون في لبنان، فحيّا مرشدها العام الخوري جان موره، والمطران مارون العمار، رئيس اللجنة الأسقفية "عدالة وسلام" والمشرف على المرشدية، منوّهًا بالخدمات التي تقدّمها من زيارات دورية للمساجين، ودعم نفسي وروحي وقانوني، وتأمين القداديس والخدمات الروحية، ومتابعة ملفات إخلاء السبيل وتخفيض العقوبات ودفع بعض الكفالات والرسوم.

لكنّه شدّد في المقابل على أنّ المرشدية تواجه "صعوبات وتحديات كثيرة"، معدّدًا من بينها: غياب الدولة عن الاهتمام بوضع السجون والنزلاء، الاكتظاظ المتزايد، تعثّر سير المحاكم، النقص الكبير في مواد التغذية وأدوات النظافة والأدوية، وعدم القدرة على تأمين التمويل الضروري لتغطية الحاجات الأساسية للسجناء وتسهيل عمل المرشدية.

وانتقل البطريرك الراعي من النص الإنجيلي إلى الواقع الوطني، فاعتبر أنّ "لبنان اليوم يشبه يوسف: متعب، حائر، مثقل بالأسئلة، وبحاجة إلى كلمة تطمئنه"، ورأى أنّ إنجيل البشارة ليوسف يمكن أن يُقرأ "كبيان وطني أخلاقي": فـ"لا خلاص بلا ثقة، ولا مستقبل بلا طاعة للقيم، ولا سلام بلا شجاعة الرحمة". وأوضح أنّ يوسف اختار عدم الفضيحة وعدم المواجهة العمياء، وفضّل حماية الإنسان قبل الدفاع عن حقّه، داعيًا إلى التعلّم من هذا الموقف في إدارة الشأن الوطني.

وقال الراعي: "إنجيل يوسف يدعونا اليوم إلى إعادة بناء الوطن باحترام الشرعية، وصون الإنسان، وتغليب الحوار على الصدام، وحماية الكيان بدل استنزافه"، مشددًا على أنّ إدخال لبنان في "مسار خلاص جديد" يمرّ عبر مؤسسات محترمة، وقوانين مطبّقة، ومسؤولية فعلية وضمير حيّ لا يخاف.

وأضاف: "لا سلام بلا نجاح وبلا شجاعة، ولبنان اليوم بحاجة إلى كلمة تطمئنه. نحن مدعوون لإدخال وطننا في مسار جديد"، مؤكّدًا أنّ السلام ليس حلمًا شعريًّا بل "ثمرة قرار شجاع"، تمامًا كما كانت طاعة يوسف في صمتها قرارًا غيّر وجه التاريخ.

وتوقّف غبطته عند زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، وما قاله لاحقًا من روما، فذكّر بتأكيد الحبر الأعظم أنّ "السلام ممكن"، وأن الحروب لا تصنع مستقبلًا، وأن اليأس ليس قدر الشعوب، مشيرًا إلى أنّ لبنان، "رغم جراحه، قادر على النهوض من جديد إذا عاد إلى رسالته". ورأى أنّ السلام لا يولد من القوّة، "بل من الرحمة"، لأن الرحمة تفتح باب المصالحة، والمصالحة تصنع الغد.

وفي ختام عظته، دعا البطريرك الراعي إلى الصلاة كي يمنح الربّ للبنانيين "قلبًا مثل قلب يوسف: قلبًا شجاعًا لا يخاف، وحكمة تميّز، وطاعة صادقة"، طالبًا من الله أن يتحوّل خوف لبنان إلى رجاء، وانقسامه إلى مصالحة، وجراحه إلى بداية جديدة، وأن يجد كلّ إنسان قلق أو حائر السلامَ الذي يفوق كل سلام يقدّمه العالم.